حل أزمة متضرري صندوق التنمية العقارية

ما الخطأ الذي وقع فيه صندوق التنمية العقارية لتجاوز أزمة نقص السيولة النقدية لديه؟ وما الخطأ الآخر في عدم فهمه للدور الرئيس من وجوده بعد تحوله إلى مؤسسة تمويلية “مصرف”، وفقا لما تضمنه برنامج التحول الوطني، ينتظر أن يسهم في تطوير وتعزيز قطاع التمويل العقاري؟

بداية؛ كانت النتيجة الأهم والأثقل وزنا لكلا الخطأين، أن تحولت الأجيال الأخيرة من أفراد المجتمع الباحثين عن تملك مساكنهم إلى ضحايا لتقصير الصندوق عن أداء كثير من أدواره، لعل من أبرزها تقصيره في تحصيل أكبر قدر ممكن من الأقساط المستحقة (لم يتجاوز متوسط نسبة التحصيل السنوية لآخر خمسة أعوام 3.1 في المائة) على المقترضين منه (بلغ إجمالي القروض القائمة للصندوق 156.7 مليار ريال حتى نهاية الربع الثالث من 2016)، مع الأخذ بعين الاعتبار إعفاء الدولة عن المتوفين منهم أو لأي أسباب أخرى تتجاوز سلطة إدارة الصندوق. وذلك على خلاف الأجيال السابقة من المجتمع الذين نجح الصندوق في تسهيل تملكهم مساكنهم، وتوفير التمويل اللازم لتحقيق هذا الهدف التنموي المشروع.

ما الخطأ الذي وقع فيه الصندوق في السؤال الأول، فكان التوجه المفاجئ والمتعجل منه نحو تحويل من عجز عن تمويلهم بقروض عقارية دون أي فائدة تذكر، أسوة بمن سبقوهم، والدفع بهم نحو الاقتراض من المصارف والمؤسسات التمويلية، دون الأخذ بأي اعتبارات تتعلق بمستويات دخلهم، أو بقدراتهم على الاقتراض من عدمه وفقا لتصنيفهم الائتماني، هذا عدا الاعتبارات الشرعية التي تحتل مكانة مهمة جدا، لا يمكن إهمالها بأي حال من الأحوال. خطأ سيتحمل تكلفته كاملا مجموع الأفراد الذين تم تحويلهم تحت بند “مرشحي التمويل العقاري”، على افتراض أنهم قبلوا به! سيأتي بعد قليل ماذا يوجد من خيارات أخرى لدى إدارة الصندوق في ثنايا الحديث عن إجابة السؤال الثاني، كان بالإمكان اللجوء إليها دون توريط أفراد المجتمع في تحمل وزر ما لا ناقة لهم فيه ولا جمل.

بالنسبة للخطأ الآخر في السؤال الثاني؛ فقد كان عدم إلمام إدارة الصندوق بالكيفية الأمثل التي يمكن الوصول من خلالها إلى الهدف المنشود، ممثلا في تحول الصندوق إلى مؤسسة تمويلية “مصرف”، وأنه يتجاوز كثيرا مجرد كونه “وسيطا” بين شرائح المستفيدين من المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى المصارف ومؤسسات التمويل العقاري! يتجاوزه إلى خيارات أوسع وأرحب، بالاعتماد أولا على كونه مؤسسة مملوكة للدولة، تتيح له خيارات لا يمكن أن تتوافر لأي منشأة تمويلية في القطاع الخاص، تمكنه من إصدار الصكوك أو الاقتراض من السوق التمويلية المحلية، ومن ثم ضخ الجزء الذي تراه مناسبا كقروض عقارية للمستفيدين من الأفراد، وتمكنه أيضا من استثمار الجزء المتبقي من متحصلات تلك الصكوك أو القروض بما يعزز من موارده، ويمنحه المرونة اللازمة لسداد المستحقات السنوية للصكوك أو القروض، وإن كان الأفضل بالنسبة للصندوق في الظروف الراهنة، أن يقوم بإصدار الصكوك في عملية توريق متوافقة مع الضوابط الشرعية للقروض القائمة لديه الآن، والحصول من ثم على السيولة النقدية الكافية، التي تتيح لإدارة الصندوق منح عشرات المليارات سنويا كقروض عقارية للمواطنين المستحقين.

ولنجاح هذا المشروع، يجب ارتفاع كفاءة إدارة الصندوق، بما تتضمنه من ضرورة رفع كفاءة تحصيل أقساط القروض القائمة إلى نسب أعلى من المسجلة حتى تاريخه، التي لا تتجاوز 3.1 في المائة كما تظهره البيانات الرسمية للصندوق، إضافة إلى رفع كفاءة إدارته لاستثماراته مستقبليا، بما يؤدي على مستوى كل من كفاءة التحصيل لأقساط القروض الممنوحة وكفاءة الاستثمار، إلى ضمان استقرار واستدامة التدفقات المالية الداخلة على موارد الصندوق، ومنحه القدرة الكافية لأجل سداد المستحقات السنوية لتكاليف إصدار تلك الصكوك. ولا ينسى هنا الدور المهم لتحصيل رسوم الأراضي البيضاء، التي يمكن لها أن تسهم بدرجة كبيرة في تعزيز موارد الصندوق، متى ما كانت إجراءات التحصيل على قدر عال من الكفاءة والجدية، سبق الحديث عنها سابقا في مقال “تعزيز الصندوق العقاري والميزانية برسوم الأراضي”، المنشور في صحيفة “الاقتصادية” مطلع آذار (مارس) الماضي.

لا شك أن تأهيل صندوق التنمية العقارية للوصول إلى الدرجة التي تمنحه الأهلية اللازمة كمؤسسة تمويلية “مصرف”، تتوافر لديها الفرصة لإصدار مثل تلك الصكوك وتوريق القروض القائمة لديه في المرحلة الراهنة، حتى القروض المتوقع أن يمنحها مستقبلا، يتطلب مراحل طويلة من العمل الدؤوب والاشتراطات التنظيمية المعقدة، لكنها في الوقت ذاته تمثل الطريق الأمثل لتحول الصندوق نحو الهدف المنشود وفقا لبرنامج التحول الوطني، وفي الوقت ذاته يعد الخيار الذي سيرفع كفاءة إدارة الصندوق من جانب، ومن جانب آخر يغلق الطريق على تسرع إدارة الصندوق بتحميلها لآثار قصوره وتأخره على كاهل أفراد المجتمع، ونقله لتلك التشوهات الكامنة في عمله طوال أكثر من أربعة عقود مضت دون دراسة متأنية، ليتورط فيها كل من القطاع التمويلي المحلي والمجتمع!

يمكن لإدارة الصندوق بعد تأهله وانتهاء مراحل تحوله إلى مؤسسة تمويلية، أن يتحصل وفق خيار إصداره صكوك “توريق القروض القائمة لديه” خلال خمسة أعوام مقبلة على نحو 500 مليار ريال، بما يؤهله في حال استقطع منها ما نسبته 90 في المائة (450 مليار ريال) من متحصلاتها لإقراض 900 ألف مستفيد، واستثمار النسبة المتبقية البالغة 10 في المائة (50 مليار ريال)، إضافة إلى رفع كفاءة تحصيله للأقساط المستحقة إلى نسب أعلى من نسب التحصيل الراهنة، التي تكفل لإدارة الصندوق تدفقات مالية كافية تمكنه من سداد التكلفة السنوية لتلك الصكوك.

سيكون لهذا التطور النوعي المهم لدور صندوق التنمية العقارية عديد من الآثار الإيجابية التي لا حصر لها هنا، إلا أن من أبرزها: (1) زيادة قدرة الصندوق على تقديم القروض العقارية اللازمة للمواطنين المستحقين لها.(2) استفادة المصارف ومؤسسات التمويل من تمويل تلك الصكوك، بصورة أكبر مما لو قامت تلك الأطراف التمويلية بالإقراض المباشر للأفراد والأسر، وبما يضمن لها بدرجة أعلى استثماراتها في تلك الصكوك. (3) إمكانية استفادة تلك المصارف ومؤسسات التمويل من تسييل تلك الصكوك في سوق الصكوك والسندات، متى ما رأت الحاجة إلى ذلك. (4) تطوير وتعميق سوق الصكوك والسندات محليا، وتوفير الأدوات الاستثمارية التي تجتذب اهتمام المستثمرين الباحثين عن قنوات الاستثمار ذات العوائد المستقرة والآمنة، مقابل مخاطر أدنى مقارنة بغيرها من الأدوات الاستثمارية الأخرى. (5) هذا بدوره سيؤدي إلى استقطاب فوائض السيولة المحلية (الثروات)، بما يحمي الاقتصاد الوطني من أية موجات تضخمية محتملة في المستقبل، كونه يوفر قنوات استثمار منافسة وبديلة لادخار الأموال والثروات في الأراضي والعقارات، وتجنيب الاقتصاد والمجتمع كثيرا من الآثار السلبية التي أدت إلى تراكم الثروات بأحجام هائلة في الأراضي، وأصبحت تلك الآثار السلبية وما نتج عنها من تشوهات معلومة لدى الجميع. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.