تجاوز البطالة بحلول حقيقية

خلص المقال الأخير “كيف نوقف رالي البطالة والاستقدام؟” إلى إمكانية الاعتماد على حلول جديدة، تختلف جذريا عن حزمة برامج التوطين السابقة، التي لم تأتِ نتائجها حتى بالمستوى المقبول، بل على العكس تماما بما ترتب عليها من زيادة مفرطة في الاستقدام من الخارج، صاحبتها زيادة أسرع في معدلات البطالة بين المواطنين والمواطنات، دعْ عنك ما نتج عنها من زيادة في أشكال التوطين الوهمي، وزيادة استحواذ العمالة الوافدة على المناصب القيادية والتنفيذية العليا في مختلف منشآت القطاع الخاص، ويُعول عليها في الوقت ذاته أن برامج التوطين الراهنة تنتظر في حلم بعيد المنال؛ استجابة تلك القيادات غير السعودية لتوطين الوظائف المتاحة لديها.

كان أول أهداف تلك الحلول الأخرى للتوطين، الضرورة القصوى لوضع إجراءات عاجلة لإحلال العمالة الوطنية في الوظائف التي تتطلب مؤهلات وشهادات الباحثين عن العمل من المواطنين أنفسهم، وهي الوظائف الكافية جدا من حيث العدد (1.6 مليون وظيفة) التي يمكن شغلها بمواطنين ومواطنات. قد يعارض كثيرون مثل هذا التوجه، واعتباره تدخلا صريحا في صلب قرارات منشآت القطاع الخاص، يخالف حيثيات تعيين كفاءات بشرية تمتلك مؤهلات علمية محددة، وخبرات عملية متراكمة، وهو العذر الأقبح من الذنب الذي سيتحجج به من يرفض أصلا فكرة التوطين، ولا غرابة أبدا أن تجد أمام تنفيذ هذا الحل الواجب مئات الأعذار والحجج الوهمية الممانعة له. يقوم هذا الحل على السماح للموارد البشرية الوطنية التي تلي تلك القيادات غير السعودية في المراتب الوظيفية، بالانتقال إلى مراتب أعلى لتحل محل القيادات غير السعودية، وهو الأمر الذي رغم توافر المؤهلات والخبرات ذاتها وقد تكون أفضل في بعض الحالات، لم يجد النفاذية أمامه! بل على العكس تماما، قد تجد كثيرا من الكفاءات الوطنية في منشآت القطاع الخاص، تم التعامل معها بممارسات تعسفية عديدة استهدفت طردها من الوظائف التي تشغلها، وإحلالها بعمالة وافدة، وهو ما حدث فعلا خلال الفترة 2010-2016، حينما أظهرت بيانات سوق العمل الرسمية، ارتفاع استحواذ العمالة الوافدة على المناصب القيادية والعليا في القطاع الخاص من نحو 10.4 في المائة بنهاية 2010، إلى نحو 40 في المائة بنهاية 2015 (حسب آخر البيانات الرسمية المتوافرة).

أصبح لزاما وفق التطورات الراهنة في سوق العمل، وما نتج عنها من تصاعد في حجم البطالة بين المواطنين والمواطنات، والضرورة القصوى لإقرار الإجراءات اللازمة الهادفة إلى سعودة المستويات الإدارية العليا، والإسراع بتطبيقها، وهو ما سيسهم في المستقبل القريب جدا في زيادة التوطين في بقية المستويات الأدنى بالصورة الصحيحة بعيدا عن التوطين الوهمي أو الهامشي، كون الصلاحيات والقرارات العليا في القطاع الخاص قد أصبحت بيد عمالة مواطنة. وهنا يجب أن تنظر وزارة العمل والتنمية الاجتماعية حال بدئها في تحقيق هذا التوجه المهم، بالتركيز على القطاعات الاقتصادية الأعلى عائدا ودخلا كالقطاع المصرفي والتمويلي والتأمين بالتنسيق المباشر والمستمر مع مؤسسة النقد العربي السعودي، وقطاع شركات الاستثمار المرخصة بالتنسيق المباشر والمستمر مع هيئة السوق المالية، وهي القطاعات التي تنتسب إلى نشاط الخدمات “يشمل هذا النشاط: تجارة الجملة والمطاعم والفنادق، والنقل والاتصالات والتخزين، وخدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال، وخدمات جماعية وشخصية، ومنتجي الخدمات الحكومية”، الذي يتصف بسهولة توفير الوظائف أكثر من غيره، مقارنة بنشاطي الصناعة والزراعة، وكون نشاط الخدمات من أكثر النشاطات التي تورطتْ في التوطين الوهمي، وفي الوقت ذاته تورطت في زيادة الاستقدام من الخارج، يضاف إليه قطاع التشييد والبناء المنتسب إلى نشاط الصناعة، كأكبر قطاع تورط أيضا في التوطين الوهمي وزيادة الاستقدام.

ثانيا: التوسع في البرامج الموجهة للمنشآت؛ الذي يتوجه إلى التوطين الشامل والكامل لعدد من النشاطات الاقتصادية والتجارية (كتجربة توطين قطاع الاتصالات في مهنتي بيع وصيانة أجهزة الجوالات وملحقاتها)، التي ستساعد بدرجة كبيرة على القضاء على التستر التجاري وانتشار العمالة الوافدة السائبة، حيث توجد نشاطات محلية يجب أن تقتصر في أسرع وقت على المواطنين والمواطنات فقط، وتقدم عمل الوزارة في هذا الاتجاه سيمنح للاقتصاد والمجتمع مكاسب كبيرة جدا بمشيئة الله، تسهم مجتمعة في تحسين فرص تمكين المواطنين والمواطنات، وتحسين مستويات دخلهم، وفي الوقت ذاته تساعدنا جميعا على التخلص من آفات التستر التجاري وتسيب العمالة الوافدة محليا.

ثالثا: البدء بجدية وفاعلية على مستوى تطبيق نطاقات الموزون؛ الذي يتجاوز بتنفيذه الاختلالات الكبيرة التي نتجت عن برامج التوطين السابقة (2011 – 2016) في مقدمتها برنامج نطاقات، وما نتج عنه من زيادة خطيرة للسعودة الوهمية، ترتبت عليها زيادة مفرطة في استقدام العمالة الوافدة من الخارج، تجاوزت أعداد التأشيرات الممنوحة لمنشآت القطاع الخاص خلال فترة تطبيق تلك البرامج نفسها سقف 9.5 مليون تأشيرة عمل للعمالة الوافدة! ذلك أن برنامج نطاقات أتاح لكثير من منشآت القطاع الخاص عبر تقدمها إلى النطاق الأخضر، إمكانية الفوز بمزيد من تأشيرات الاستقدام بمئات الآلاف، ومكمن الخطورة هنا أن دخول كثير من المنشآت النطاق الأخضر جاء أغلبه نتيجة السعودة الوهمية. أهمية نطاقات الموزون هنا؛ أنه سيأخذ بالاعتبار عوامل أخرى مهمة لم تكن في حسبان برامج التوطين السابقة، لعل من أهمها: (1) متوسط أجور السعوديين في المنشأة. (2) نسبة توطين النساء في المنشأة. (3) الاستدامة الوظيفية للسعوديين. (4) نسبة ذوي الأجور المرتفعة منهم.

رابعا: العمل على إقرار سياسات وبرامج تسهم في تعزيز قدرة القطاع الخاص على تنويع القاعدة الإنتاجية، والتركيز بالدرجة الأولى على نشاط الخدمات، عبر سياسات تحارب احتكار الأنشطة ذات العوائد العالية، وسياسات أخرى تحفز الأنشطة الغائبة عن المشهد الاقتصادي المحلي، إضافة إلى تطوير وتوسيع إجراءات دعم وتمويل المنشآت المتوسطة والصغيرة، والدفع بها نحو مزيد من التمكين والمنافسة، وهي الأدوار والمسؤوليات التي تتجاوز قدرة ومسؤوليات وزارة العمل إلى عديد من الأجهزة الحكومية الأخرى مثل هيئة دعم المنشآت الصغيرة، وهيئة توليد الوظائف. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.