كيف نوقف رالي البطالة والاستقدام؟

ليس أمرا جديدا أن نكتشف أن سوق العمل المحلية، وقعت رهينة “رالي” زيادة معدلات البطالة والعاطلين من المواطنين من جانب، ومن جانب آخر زيادة استقدام وتوظيف العمالة الوافدة! تلكم الحقيقة القديمة، التي لم تأت بجديد حولها النشرة الأخيرة لهيئة الإحصاء “سوق العمل” للربع الرابع 2016، التي صدرت نهاية الأسبوع الماضي.

خلال الفترة 2010 ــ 2016 قفزت أعداد العاطلين عن العمل من نحو 501.3 ألف عاطل وعاطلة بنهاية 2010، إلى أن بلغت نحو 918 ألف عاطل وعاطلة بنهاية 2016، أي بزيادة بلغت نسبتها 83.1 في المائة خلال الفترة. وفي الوقت ذاته ارتفعت العمالة الوافدة في القطاع الخاص من 6.3 مليون عامل بنهاية 2010، إلى أن بلغت نحو 8.6 مليون عامل بنهاية 2016، أي بزيادة بلغت نسبتها 36 في المائة خلال الفترة نفسها.

الحديث هنا، ليس حول اختلاف احتساب معدلات البطالة، على أنه يعد أمرا معيبا أننا ما زلنا ندور حول أنفسنا في شأن يعد أحد أكبر التحديات الجسيمة التي يواجهها الاقتصاد والمجتمع، وسواء قلل البعض من معدل البطالة أو اعترف به كما هو على أرض الواقع، فهذا لن ولم يلغ وجود ما يقارب المليون عاطل وعاطلة، أو كما تود بعض الجهات الحكومية تسميته بالباحثين عن عمل! أؤكد مرة أخرى؛ أن الحديث ليس هذا الاختلاف، بقدر ما أنه يتركز على ضرورة عدم الانشغال به، دون النظر الجاد إلى صلب التحدي التنموي العتيد الذي نواجهه جميعا، المتمثل في تراكم هذا العدد الهائل من العاطلين أو الباحثين عن عمل من المواطنين والمواطنات، ثم لا تتوافر لهم فرص عمل كريمة مستحقة. وتتصاعد الأهمية القصوى لهذا المحور التنموي، في الوقت ذاته الذي تتنامى فيه أعداد العاطلين من المواطنين بتلك الوتيرة اللافتة، نجد أن القطاع الخاص تمكن خلال الفترة نفسها من استقدام وتوظيف أكثر من 2.2 مليون عامل وافد! ومن المهم جدا هنا فهم لماذا استطاع القطاع الخاص استيعاب تلك الملايين من العمالة الوافدة، وفي الوقت ذاته شهدنا عجزه عن استيعاب أقل من نصف أعداد العمالة الوافدة، وأنه مرتبط بدرجة كبيرة بنوعية الوظائف التي برع القطاع الخاص في إيجادها، التي ترتبط بدورها في الأساس بالأنشطة الاقتصادية التي برع فيها القطاع، نتيجة تركز تلك الأنشطة في الغالب على تنفيذ المناقصات الحكومية (الإنشاءات)، وعلى الاستيراد بالجملة من الخارج والبيع بالتجزئة في الداخل، وهي الأنشطة التي لا تتطلب أعلى من الشهادة الابتدائية في أحسن الأحوال، في الوقت ذاته ستجد أن نحو 91.4 في المائة من العاطلين المواطنين، يحملون شهادة الثانوية العامة فأعلى! ما يعني بدوره أن أغلب الوظائف التي برع القطاع في إيجادها عاما بعد عام، والمنسجمة مع طبيعة أنشطته الرئيسة، وبما لا تتطلب أو تشترط أغلبها شهادات أعلى من الشهادة الابتدائية، في الوقت ذاته الذي دفعت فيه أروقة التعليم العام والجامعي بمئات الآلاف من الخريجين والخريجات سنويا إلى سوق العمل، إلا أنها اصطدمت أولا بهذه الفرص المتدنية الشهادات والدخل، واصطدمت ثانيا ببرامج توطين لم تأخذ في عين الاعتبار هذا الاختلاف الكبير بين ما يحمله الباحثون عن عمل من شهادات، وبين تلك الوظائف المتدنية التأهيل والدخل، وتريد تلك البرامج للتوطين أن تحشرهم عنوة فيها، وهو ما أرهق كثيرا الأطراف كافة.

تسببت هذه الثغرة الخطيرة جدا في برامج التوطين في عديد من الآثار السلبية، لعل من أبرزها: (1) زيادة معدلات البطالة والعاطلين عن العمل خلال الفترة 2010-2016. (2) زيادة استقدام العمالة الوافدة ذات الشهادات المتدنية. (3) زيادة أشكال التوطين الوهمي، التي وجدت من خلاله منشآت القطاع الخاص منطقة آمنة للتكيف مع متطلبات برامج التوطين، لتلبي وفق أدنى المعايير اشتراطات وقيود وزارة العمل من جهة، ومن جهة أخرى لتحظى بنصيبها من العمالة الوافدة التي تحقق أهدافها النهائية، وتتوافق مع طبيعة نشاطاتها الفعلية، وتحقق بذلك قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، دون النظر من قريب أو بعيد إلى حجم الأضرار الفادحة التي انعكست على الاقتصاد والمجتمع على حد سواء نتيجة تفاقم أشكال هذا النوع من التوطين الوهمي، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

(4) زيادة سيطرة العمالة الوافدة على المناصب التنفيذية والقيادية، لضعف سطوة برامج التوطين عليها، أو حتى يمكن القول إنها لم تمسها من قريب أو بعيد، وما ارتفاع نسبة استحواذ العمالة الوافدة على تلك المناصب من أقل من العشر إلى نحو نصف أعدادها بنهاية الفترة، إلا دليلا قاطعا على ضعف تلك البرامج، وعدم أخذها في عين الاعتبار هذه المتغيرات على أرض الواقع.

لن يجود القطاع الخاص بأكثر مما لديه، وهو القطاع الذي انكشفت حقيقة وضعه بصورة جلية بعد انخفاض أسعار النفط، وترشيد الإنفاق الحكومي، وبدء سياسات تحرير أسعار استهلاك الطاقة، سرعان ما أنكفأ على ذاته محاولا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولهذا شهدنا العام الماضي عمليات واسعة من إنهاء عقود العمالة الوطنية، وصل صافي نتائجها إلى انخفاض العمالة الوطنية في القطاع الخاص خلال 2016 بنحو 57 ألف مواطن ومواطنة، سرعان ما انتقلت وتيرة إنهاء العقود خلال الربع الأخير من العام الماضي إلى العمالة الوافدة، ترتب عليها إنهاء عقود نحو 102 ألف عامل قبل نهاية العام.

إن الحلول متاحة رغم الظروف غير المواتية التي يعبرها الاقتصاد الوطني خلال المرحلة الراهنة، والقطاع الخاص على وجه الخصوص، لعل من أبرزها وضع الإجراءات العاجلة بسرعة إحلال العمالة الوطنية في الوظائف التي تتطلب مؤهلات وشهادات الباحثين عن العمل من المواطنين نفسها، وهي الوظائف الكافية جدا من حيث العدد (1.6 مليون وظيفة) التي يمكن إحلالها بمواطنين ومواطنات، والعمل أيضا على إقرار سياسات وبرامج تسهم في تعزيز قدرة القطاع الخاص على تنويع القاعدة الإنتاجية، والتركيز في الدرجة الأولى على نشاط الخدمات، عبر سياسات تحارب احتكار الأنشطة ذات العوائد العالية، وسياسات أخرى تحفز الأنشطة الغائبة عن المشهد الاقتصادي المحلي، وهو ما سيكون له حديث أكثر تفصيلا في المقال المقبل بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.