خفض إيجار السكن جزء من حل أزمة الإسكان «2 من 2»

تؤكد مجددا مؤشرات الأزمة الراهنة للإسكان، التي يجب ألا تفارق علم وفهم وزارة الإسكان بصفتها الجهة الحكومية المسؤولة الأولى عن حل هذه الأزمة قبل غيرها من الأجهزة الحكومية، أن المصدر الأول والأكبر لنشوء الأزمة الإسكانية هو “تضخم أسعار الأراضي والعقارات”، وأن طريق الحل الوحيد يبدأ حصرا من “خفض” هذا التضخم الهائل وغير المبرر في الأسعار! وأن نتائج عدم خوض هذا الطريق بالجدية الكافية واللازمة من قبل وزارة الإسكان، تعني بالضرورة السماح باتساع رقعة أزمة الإسكان أكثر مما هي عليه الآن، وتعني أيضا إضاءة الضوء الأخضر أمام نشوء أزمات تنموية أخرى لا يقل خطرها الداهم تنمويا واقتصاديا وأمنيا واجتماعيا عن أزمة الإسكان.

وعليه؛ لن تجد وزارة الإسكان نفسها بعد عدة سنوات قليلة قادمة أمام فشل برامجها الإسكانية فقط، بل ستكتشف أنها تسببت في تعميق الأزمة الإسكانية، وزيادة وطأتها الهائلة على كاهل البلاد والعباد اقتصاديا واجتماعيا وماديا وأمنيا إلى درجة قصوى تفوق تصوراتنا جميعا بأرقام اليوم. وتتصاعد أهمية هذه النقطة المحورية والجوهرية “تضخم أسعار الأراضي والعقارات”، الممثلة لنقطة بداية اشتعال أزمة الإسكان، والممثلة أيضا لنقطة بداية إطفاء نيران هذه الأزمة، أنه وفقا لما أثبتته وأكدته الحقائق والبيانات الرسمية للجميع، أن هذا “التضخم السعري” الهائل جاء نتيجة طبيعية للهيمنة شبه المطلقة للاحتكار والمضاربة بالأموال في السوق العقارية المحلية! فلا عجب بعدئذ لما نشاهده اليوم من ويلات تنموية هائلة، نرى فصولها المخيفة تتوالى وتتصاعد فترة بعد فترة عبر المشهد العام المحلي اقتصاديا واجتماعيا.

هذا بدوره يضاعف من حجم المسؤولية على عاتق وزارة الإسكان، ويقطع عليها في الوقت ذاته “خيار” أن تبدأ من نقطة خفض “تضخم أسعار الأراضي والعقارات” أو ألا تبدأ به! فلا مناص على الإطلاق للهرب من المواجهة الحازمة جدا لهذه التشوهات الجاثمة والمسيطرة على السوق العقارية (الاحتكار، المضاربة)، وأن على الوزارة في هذا المقام المسؤولية الأكبر والأثقل وزنا لاجتثاث تلك التشوهات (احتكار الأراضي والمضاربات عليها)، وأنه لا يوجد أمامها أي خيارات أخرى، وأن تقييم أدائها للمهام والمسؤوليات الملقاة نظاما عليها، سيبدأ وينحصر في هذه النقطة تحديدا! هل استطاعت وزارة الإسكان التقدم على طريق حل أزمة الإسكان؟ هل تمكنت من رفع نسبة تملك المواطنين مساكنهم؟ وبقية الأسئلة حول أهدافها التي وضعتها ضمن برنامج التحول.

إن على وزارة الإسكان أن تعلم من اليوم ومستقبلا، أن الإجابات إيجابيا عن مدى تحقق تلك الأهداف الرئيسة، التي سيتم السؤال عنها بحلول عام 2020 من قبل قيادة البلاد والمجتمع السعودي، أنها لن تنجز شبرا واحدا منها ما لم تنطلق في عملها من معالجة الأسباب الرئيسة لنشوء أزمة الإسكان، التي كما أشرتُ أعلاه تتمثل في “تضخم أسعار الأراضي والعقارات”.

الآن تتحدد آلية العمل، وتوزيع مهام مواجهة الأزمة التنموية الأصعب في الوقت الراهن، تتم تحت منظومة عمل تكاملية بين وزارة الإسكان من جهة، وبقية الأجهزة الحكومية الأخرى (العدل، التجارة والاستثمار، الشؤون البلدية والقروية)، لعل أبرز دور لتلك الأجهزة في هذا المقام، هو دور التجارة والاستثمار حسبما أوضحتُ في الجزء الأول من المقال، والمعني بتشديد الرقابة والمتابعة على إيجارات المساكن وغيرها من إيجارات المحال التجارية والصناعية والخدمية، التي تفتقر وفقا لما أظهرته وأثبتته بيانات الهيئة العامة للإحصاء من ارتفاعات كبيرة وغير مسبوقة في تكلفة الإيجار، أؤكد أنها تفتقر إلى الرقابة والمتابعة النظامية، فقد أثبتت بيانات الإحصاء أن تحديد أسعار الإيجارات من قبل ملاك العقارات، تجاوز كثيرا ودون قيد أو شرط كل عوامل أداء الاقتصاد الوطني طوال الفترة 2006 ـــ 2016، تثبته بالأدلة الداحضة النتائج الفعلية لارتفاع إيجار السكن خلال الفترة نفسها الفترة في مدينة الدمام إلى أعلى من 272 في المائة، وفي مدينة الرياض إلى 249 في المائة، وفي مدينة جدة إلى 127 في المائة، وفي مكة المكرمة بأعلى من 74 في المائة، وفي المدينة المنورة بنحو 43 في المائة، وفي أبها بنحو 65 في المائة، وفي بريدة بأعلى من 64 في المائة.

إن خفضا لأسعار الأراضي والعقارات عبر المعالجة الجادة لتشوهات السوق العقارية المحلية (الاحتكار، المضاربة)، من قبل وزارة الإسكان، وخفضا آخر تضطلع بمهامه ومسؤولياته وزارة التجارة والاستثمار من جانب آخر، سيؤدي إلى إزالة سريعة جدا لآثار أزمة الإسكان، وسيزيل الكثير من الضغوط التنموية الهائلة على كاهل الدولة والاقتصاد والمجتمع والأجهزة الحكومية المعنية بمعالجة الأزمة الإسكانية دون استثناء، حيث ستنخفض التكلفة المالية اللازمة لحل أزمة الإسكان على ميزانية الدولة، وفي الوقت ذاته ستنخفض على أفراد المجتمع وشركات التطوير العقاري ومؤسسات التمويل، كما سيؤدي انخفاض إيجارات المساكن بنسب كبيرة إلى خفض تكلفة المعيشة على المواطنين، ويزيل كثيرا عنهم الضغوط المادية والمعيشية التي دفعت بهم إلى التزاحم الشديد على أبواب كل من وزارة الإسكان والصندوق العقاري، وهي الميزة ذاتها التي ستمنح وزارة الإسكان فرصا أوسع بكثير زمنيا وماديا وقدرة لتتولى معالجة الفصول القاسية لأزمة الإسكان دون ضغوط مجتمعية، مادام المعنيون بالدرجة الأولى من أفراد المجتمع بانتظار نتائج عمل وجهود الوزارة، قد انخفضت عليهم تكلفة إيجارات مساكنهم إلى ما دون 25 في المائة من دخولهم السنوية، مقارنة بمستوياتها العالية جدا في الوقت الراهن (50 ــ 65 في المائة).

الخلاصة هنا؛ أن الأطراف كافة سيزول عنها جزء لا يستهان به من ضغوط هائلة لا مبرر لوجودها على الإطلاق، وهو الأمر الواضحة حقيقته ونتائجه للجميع، ولا يتطلب الكثير من الشرح والتفصيل، خاصة لدى الجهة الحكومية المعنية قبل غيرها بمعالجة ومواجهة أزمة الإسكان المحلية، ممثلة في وزارة الإسكان. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.