عام جديد بطموحات وتحديات

أنهى الاقتصاد الوطني عام 2016 على نمو حقيقي بلغ معدله 1.4 في المائة، مقارنة بنحو 4.1 في المائة لعام 2015، وسجل القطاع غير النفطي للاقتصاد نموا حقيقيا بلغ 0.2 في المائة، كان أقل من النمو المتحقق خلال العام الأسبق البالغ 3.2 في المائة، فيما تراجع النمو الحقيقي للقطاع الخاص إلى 0.1 في المائة، مقارنة بنموه الأسبق 3.4 في المائة. وأظهرت الصناعات التحويلية (دون تكرير الزيت) نموا سلبيا بلغ 1.2 في المائة، مقارنة بنموها الأسبق 4.41 في المائة، وظلت مساهمتها إلى الناتج المحلي الإجمالي في مستويات متدنية، لم تتجاوز بالأسعار الثابتة سقف 8.23 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة الحقيقية التي تعكس درجة التنوع في القاعدة الإنتاجية المحلية. بالنسبة للتضخم، فقد ارتفع بمعدل 3.4 في المائة مع نهاية 2016، مقارنة بمعدل ارتفاعه لعام 2015 الذي بلغ 2.2 في المائة.

كما ارتفع معدل البطالة للسعوديين حسب أحدث بيانات تم نشرها في نهاية الربع الثالث من عام 2016 إلى 12.1 في المائة (693.9 ألف عاطل). على مستوى التجارة الخارجية؛ سجلتْ الصادرات السلعية للعام الثالث على التوالي تراجعا بنحو 11.8 في المائة إلى 673.4 مليار ريال، متأثرة بتراجع الصادرات البترولية بنحو 12.12 في المائة إلى 503.9 مليار ريال، وانخفضت أيضا الصادرات غير البترولية للعام نفسه بنحو 10.7 في المائة إلى 169.5 مليار ريال، في المقابل انخفضت الواردات السلعية بنسبة 24.8 في المائة إلى 492.9 مليار ريال.

يستهل الاقتصاد الوطني عامه الجديد تحت ظروف اقتصادية غير مواتية، بدأت منذ منتصف 2014 واستمرت حتى تاريخه، إلا أنه بدأ منذ مطلع العام الماضي بانتهاج سياسات اقتصادية واسعة جدا، تحت مظلة “رؤية المملكة 2030″، ماضيا في أول برامجه نحو التحول من اقتصاد يعتمد فقط على النفط كمورد وحيد للدخل، إلى اقتصاد منتج وفق برنامج “التحول الوطني 2020″، وهي البرامج والسياسات التي وإن كانت لها آثار على الاقتصاد، إلا أنها الخيار الأفضل من مواجهة ما قد يكون أسوأ في منظور الأعوام القادمة، حال استمرت الأوضاع غير الموائمة لأسعار النفط العالمية، وآثارها الوخيمة في مختلف أنشطة الاقتصاد المحلية.

وصولا إلى تلك الغايات والطموحات المشروعة؛ لا شك أن اقتصادنا بحاجة أكبر إلى إرساء النزاهة والتنافسية ومحاربة كل من الفساد والاحتكار بجميع أشكالهما، وتوفير الدعم للشرائح الفتية من السكان، وتحفيز الثروات والموارد التي أنعم الله بها على بلادنا للاستثمار والإنتاج والتشغيل، عوضا عن تكديسها في مجرد أراض بيضاء كمخزنات قيمة، وعوضا عن مجرد تدويرها في مضاربات بحتة، لا أثر لكل منهما سوى إلحاق أشد الأضرار بالتنمية والاقتصاد والمجتمع على حد سواء، في الوقت الذي تتسبب فيه بحرمان اقتصادنا ومجتمعنا من عوائد قيمها المضافة، وحجب آثارها الإيجابية عن التحقق على المستويات التنموية كافة.

لعل من أهم تلك الآثار التي غيبتها أشكال الاحتكار والمضاربات، وخلفهما تفشي أشكال الفساد والتستر، حرمان الاقتصاد من حسن استغلال الفرص الاستثمارية الواعدة والتنافسية، والتسبب في إضعاف قدرته على إيجاد فرص العمل الكريمة والملائمة للشباب والفتيات، والتسبب أيضا في إبقاء الاقتصاد الوطني رهينا للاعتماد المفرط على النفط، بمعنى إبقائه اقتصادا ريعيا أكثر وحرمانه من التطور والتحول إلى اقتصاد أكثر اعتمادا على قاعدة إنتاجية متنوعة ذات كفاءة أفضل، الذي يعني أيضا استمرار حياة التشوهات التنموية الناتجة عن وجود مثل هذا الشكل من أشكال الاقتصاد الريعي؛ كالتباين الكبير في مستويات الدخل بين طبقات المجتمع وشرائحه، وضعف إيجاد الوظائف وفرص العمل، إضافة إلى منع الاقتصاد والمجتمع بدرجة أكبر من الاستقلالية والتنوع والنمو المستدام والشامل. يقتضي العمل اللازم لأجل تحقيق هذا الهدف المالي البالغ الأهمية، أخذ عدد من الاعتبارات التنموية والاقتصادية في الحسبان، وتتصاعد أهمية تلك الاعتبارات بدرجة كبيرة جدا، نظرا لارتباطها وتأثيرها القوي في الأداء الاقتصادي المحلي بوجه عام، إلا أن من أهمها القطاع الخاص على وجه الخصوص، إضافة إلى مستويات دخل أفراد المجتمع التي تمثل الوزن الأكبر والمرجح في جانب الإنفاق الاستهلاكي العائلي “قيمة إنفاق الأُسر المقيمة على السلع المعمرة وغير المعمرة والخدمات مخصوما منها مبيعاتهم من السلع المستخدمة”.

حيث يعول على منشآت القطاع الخاص تحمل مزيد من الأدوار والمهام، وأن تتنامى قدرته الإنتاجية، بما يعزز بدوره من استقرار الاقتصاد الوطني، واستدامة نموه، وزيادة قدرته على إيجاد مزيد من فرص العمل أمام المواطنين والمواطنات، التي ستؤدي إلى زيادة وتحسين مستويات دخل الأفراد والأُسر، وكل هذا سيؤدي في العموم إلى الإنفاق الاستهلاكي الخاص، ليعود بالربحية المتنامية على الثروات ورؤوس الأموال الوطنية التي تم ضخها في قنوات الاستثمار المحلية.

لذلك لا بد من اهتمام القائمين على ترجمة السياسات المالية، الهادفة إلى الإيرادات غير النفطية، ودراسة الآثار المحتملة لأية قرارات أو إجراءات تتعلق بأي عنصر من عناصر تلك الإيرادات، والتأكد التام من أن أية زيادات في أي عنصر منها سيتم العمل على تحقيقه، لن يؤدي إلى إلحاق الضرر بمقدرات الاقتصاد الوطني وركائز استقراره عموما، وتحديدا لن تترتب عليه أضرار جسيمة قد تفوق في حجمها المكاسب المستهدفة من تلك الزيادات في أي عنصر من عناصر الإيرادات غير النفطية.

سنكون في مواجهة تحديات استمر تفاقمها عدة سنوات مضت، وبعضها عدة عقود! وإن كانت درجة التقدم في مواجهتها جاءت أدنى من المأمول بكثير في ظل أوضاع مالية بالغة اليسر، فلا شك أن مواجهتها في ضوء الظروف الأقل يسرا، أو الأكثر صعوبة مما مضى، أؤكد أنها ستكون مواجهة حامية الوطيس دون مبالغة! أمامنا تحديات الأزمة الإسكانية، ومعضلة ضعف قنوات التوظيف وخفض معدلات البطالة وتحسين مستويات الدخل، ولدينا الملف القديم العتيد المتمثل في ضآلة التنويع الإنتاجي، الذي مهد له التعقيد المصاحب لتأسيس وإنشاء المشاريع في البيئة الاستثمارية المحلية، وما أفضى إليه من ضيق في القنوات الاستثمارية، وأخيرا تأخر درجات الأداء بالنسبة للمشاريع الحكومية بكل ما تشمله من مكونات الخدمات الصحية والبلدية والتعليمية والنقل والمواصلات، وترشيد الاستهلاك المفرط لمصادر الطاقة والكهرباء والمياه وضرورة العمل الجاد على رفع كفاءته. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.