هل سترتفع الأسعار أم ستنخفض؟

إنه السؤال الأكثر تداولا ونقاشا وجدلا الآن، تحت الضغوط الاقتصادية الراهنة نتيجة الارتفاع المرتقب لتكلفة استهلاك مصادر الطاقة “كهرباء، بنزين، … إلخ” مع منتصف العام الجاري، إضافة إلى بقية الرسوم والضرائب “ضريبة القيمة المضافة 2018″ المقرر احتسابها على القطاع الخاص والأفراد وعديد من الخدمات والعمالة الوافدة! ماذا سيطرأ على أسعار الأصول والسلع والخدمات باختلاف أنواعها؟ على أن الأمر لن يقف فقط عند هذا السؤال حصرا حول الأسعار، بل سيطول عديدا من المؤشرات والمتغيرات التي لا حصر لها، ذلك أن التغيرات المرتقب تنفيذها واسعة وعميقة، ومن ثم فلا بد أن تترك آثارا واسعة النطاق في الأداء الاقتصادي المحلي.

نبدأ هنا بتحليل آثار تلك التغيرات بشكل مبسط ومجمل، على أن يتم تحليلها بشكل تفصيلي في سلسلة مقالات لاحقة. لتكن نقطة الانطلاق من القطاع الخاص، الذي سترتفع عليه تكاليفه التشغيلية، وبناء عليه سيجد نفسه أمام خيارين أو مزيج منهما، الأول: أن يقوم برفع أسعار بيع خدماته ومنتجاته، امتصاصا للارتفاع في تكلفته التشغيلية، مع أخذه بعين الاعتبار تأهبه بعد أقل من ستة أشهر لتطبيق ضريبة القيمة المضافة مطلع العام التالي، التي قد تحد من ارتفاع مبيعاته. الثاني: أن يقوم بتقليص نفقاته التشغيلية في بنود أخرى كإيجارات فروع البيع والمخازن والتوزيع والنقل، أو الرواتب وعدد الموظفين لديه “مواطنين، مقيمين”.

الخيار المزيج: المكون من الخيارين السابقين، رفع في الأسعار لكن بنسبة أدنى من نسبة ارتفاع تكلفته التشغيلية، ومن جانب آخر خفض في بنود تكاليفه التشغيلية الأخرى، لتكون المحصلة النهائية امتصاص كامل للارتفاع الطارئ على تكاليف استهلاك مصادر الطاقة وبقية الرسوم المحتسبة عليه.

هذه الخيارات المتاحة أمام منشآت القطاع الخاص، لكن ماذا سيحددها؟ من أهم العوامل التي ستلعب دورا أكبر في هذا السياق، هو القوة الشرائية للأفراد! التي ستتعرض للتآكل دون أدنى شك، حتى مع وجود الدعم النقدي الشهري المباشر للأسر محدودة الدخل والمتوسطة الأدنى، وهو الدعم الذي سيذهب بأكمله وقد يزيد إلى الارتفاع المرتقب على فواتير الاستهلاك، ما يعني تسويته بالكامل وعدم وجود أي تأثير له في القوة الشرائية لهاتين الشريحتين. أما الشرائح الاجتماعية الأعلى دخلا، وهي الشرائح التي تشكل القوة الأكبر من القوة الشرائية “قوة الطلب المحلي للأفراد”، فلا شك أن دخلها المتاح للإنفاق سيتعرض للانخفاض، ومن ثم سيتأثر إنفاقها سلبا، وينتقل أثره على مبيعات منشآت القطاع الخاص.

جانب آخر من العوامل الأخرى المؤثرة في قرارات القطاع الخاص، لا يقل أهمية عن العامل السابق، وهو المتعلق بالعمالة الوافدة وأسرها، التي قد تضطر نسبة كبيرة منها إلى ترحيل أسرها تجنبا لدفع الرسوم على أفراد الأسرة المرافقين “أعدادهم بالملايين”، وهذا سيؤدي دون أدنى شك إلى خفض قوة الطلب المحلية بنسبة مؤثرة في مبيعات منشآت القطاع الخاص. هذا عدا ترحيل العمالة الوافدة المتوقع نتيجة الاستغناء عن خدماتها، ومغادرتها البلاد لعدم الحاجة إليها كخيار لخفض التكاليف التشغيلية على القطاع، إضافة إلى الاحتمال القائم بالاستغناء أيضا عن جزء من العمالة الوطنية، الذي سيقلص بدوره من قوة الطلب المحلية، وفي الوقت ذاته سيشكل عبئا ماديا واجتماعيا إضافيا على أسرهم وأقاربهم، الذي سيؤدي إلى تفريغ المساكن المستأجرة إما لإخلائها من السكان غير السعوديين، أو لعدم مقدرة من فقد عمله من السعوديين على دفع إيجار المسكن، والانتقال للعيش مع الأقارب أو حتى الانتقال من المدينة ذاتها.

هنا سنجد تباينا في اتخاذ القرار بين الخيارات المتاحة لدى منشآت القطاع الخاص، فحسب السلع والخدمات التي تقوم بتقديمها “كمالية، أساسية” من جانب، ومن جانب آخر حسب أنواع المستهلكين “محدودة الدخل، متوسطة، ثرية”.

الخلاصة هنا؛ أن القطاع الخاص سيجد نفسه مضطرا إلى الاعتماد بصورة أكبر على الخيار الثاني (القيام بتقليص نفقاته التشغيلية في بنود أخرى كإيجارات فروع البيع والمخازن والتوزيع والنقل، أو الرواتب وعدد الموظفين لديه “مواطنين، مقيمين”)، خاصة المنشآت التي يشكل أغلب زبائنه محدودي ومتوسطي الدخل، وقد يمزجها بشيء من الخيار الأول (القيام برفع أسعار بيع خدماته ومنتجاته، امتصاصا للارتفاع في تكلفته التشغيلية)، في حال كان أغلب زبائنه من شرائح ذوي الدخل المرتفع.

إنها آثار متوقعة ومصاحبة لأي سياسات وبرامج إصلاح، وتتصاعد وتيرتها أكثر كلما كانت تلك السياسات واسعة وعميقة وكبيرة، وتصنف على أنها ضغوط كبيرة، ولا يعلم حتى تاريخه من لديه القدرة من منشآت القطاع الخاص على التكيف معها من عدمه، ما يعني احتمال انتهاء نشاط عديد من تلك المنشآت، الذي يعني بدوره زيادة أخرى في الضغوط، ويعني أيضا زيادة الحصص السوقية لمنشآت أخرى، سيتيح لها هذا الأمر قدرة أكبر على التكيف مع التطورات والمتغيرات الجديدة هنا، وللحديث بقية. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.