انخفاض أسعار الأراضي والعقار

في الوقت الذي كانت أسعار الأراضي والعقارات تقاوم الانخفاض طوال العامين الماضيين، بعد “رالي” طويل لارتفاع الأسعار طوال العقد الماضي، وقفت أيضا الأطراف التي استفادت واعتادت إبان صعود الأسعار موقف الرافض مطلقا للاعتراف بأي انخفاض يذكر في الأسعار، وهو موقف يمكن فهمه لعديد من الأسباب؛ لعل من أبرزها: عدم الاعتراف بالخسارة في تجارة طالما رفعت شعار “لا للخسارة”، وكانت محقة في تلك الفكرة دون أن تدرك أبدا الأسباب أو التشوهات التي وقفت بقوة خلف “رالي” ارتفاع الأسعار، وأن آثارها السلبية والخطيرة على الاقتصاد والمجتمع، قد اختفت تماما تحت تخدير الأرباح الهائلة التي حظيت بها حساباتهم المصرفية طوال ذلك العهد الذهبي لارتفاع الأسعار.
شمل رفض القبول بانخفاض الأسعار جميع الإثباتات التي ظهرت، بدءا من المعطيات على أرض الواقع، مرورا بالمؤشرات العدلية لصفقات السوق العقارية الصادرة عن وزارة العدل، هذا عدا التقارير الاقتصادية المختلفة والمتعددة المصادر، التي اعتمد أغلبها على بيانات وزارة العدل، واستغرق الأمر أكثر من عامين ماضيين، ثم أتى إثبات آخر من جهة رسمية أخرى ممثلا في الهيئة العامة للإحصاء، التي أصدرت منتصف هذا الأسبوع لأول مرة “الرقم القياسي لأسعار العقارات”، مؤكدة في مؤشرها العقاري البالغ الأهمية صحة ما أظهرته المؤشرات والتقارير السابقة طوال الفترة الماضية، أن أسعار الأراضي والعقارات باختلاف أنواعها قد اتخذت مسارا هابطا، وستتضح بعد قليل أسباب صعودها سابقا، وأسباب انخفاضها الآن ولاحقا.

وقف خلَّف ارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة وقياسية، عمق التشوهات الخطيرة داخل السوق العقارية، ممثلا بالدرجة الأولى في سيطرة “الاحتكار” الكبير على مساحات شاسعة من الأراضي البيضاء، وتركزت ملكيتها في يد شريحة محدودة من الأفراد، يضاف إليه ارتفاع كعب “المضاربات” المحمومة على جزء محدود جدا من المساحات المتاحة منها للبيع والشراء (لا تتجاوز 9 في المائة من إجمالي مساحات الأراضي)، وأدى اتساع نشاطها إلى إشعال فتيل الأسعار إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، دخلت السوق العقارية على أثر هذين التشوهين (الاحتكار، المضاربة) مسارا متصاعدا للأسعار، يوقد كل منهما الآخر؛ يزيد من جانب احتكار واكتناز الأراضي لتنامي أسعارها بنسب لا ينافسها أي استثمار آخر، مقابل انعدام أي تكلفة تذكر عليها، وتزيد من جانب آخر حرارة المضاربات ذات الأرباح شبه المضمونة، خدمهما بشكل رئيس الارتفاع القياسي وغير المسبوق في مستويات السيولة المحلية، التي لم تجد النوافذ والفرص الاستثمارية الكافية والمتاحة لامتصاصها، لتتدفق دون قيد أو شرط طوال الفترة 2006-2014 إلى السوق العقارية المحلية، تتقلب بين احتكار واكتناز هذه الأرض مرات، ومرات أخرى تتسابق في مضاربات عاتية تلهب الأسعار لهيبا. أما في المرحلة الراهنة، فقد وقف خلف انخفاض الأسعار وبدئها في التراجع على عكس مسارها الذي اعتادته طوال العقد الماضي، خضوعها لعديد من العوامل الاقتصادية والهيكلية الضاغطة، تمثل أهمها في انخفاض أسعار النفط، وترشيد الإنفاق الحكومي، وتراجع مستويات السيولة المحلية، وبدءتحصيل فواتير رسوم الأراضي خلال الربع الأول الجاري، إضافة إلى ارتفاع أعداد المساكن الشاغرة المعروضة للبيع في المرحلة الراهنة، وتسارع إصلاحات هيكل الاقتصاد الوطني، وبدء مؤسسة النقد العربي السعودي في الرفع المتدرج لمعدل الفائدة على الريال السعودي، وزيادة تطور سوق السندات والصكوك، وتصاعد وتيرة تدافع ملاك الأراضي نحو البيع والتطوير، في مقابل تشبع الإقراض العقاري بالنسبة لأفراد المجتمع، وأخيرا الارتفاع المرتقب لتكلفة المعيشة على الأفراد، وتآكل الدخل المتاح للإنفاق الاستهلاكي بشكل عام.

ستسهم كل تلك العوامل والمتغيرات مجتمعة خلال 2017 وما سيليه من أعوام قليلة قادمة في تصحيح كثير من تعاملات السوق العقارية، بدءا من الحد الكبير لأشكال احتكار الأراضي بمساحات شاسعة، ومرورا بالمضاربات المحمومة والعشوائية، وانتهاء بتفتيت الفقاعة السعرية للأصول العقارية المختلفة، التي تضخمت كنتيجة مباشرة لتوسع أشكال الاحتكار والمضاربة طوال الأعوام الماضية، نتج عنها كثير من الآثار السلبية على مستوى كل من أداء الاقتصاد الوطني بصورة عامة، وعلى انخفاض تنافسية وإنتاجية منشآت القطاع الخاص، عدا مساهمتها في تكريس تشوهات البيئة الاستثمارية المحلية، إضافة إلى دورها الرئيس في ارتفاع تكلفة المعيشة على أفراد المجتمع وأسرهم.

أصبحت القوة الأكبر الآن في يد الباحثين عن تملك أراضيهم ومساكنهم، وأصبح القرار الأكثر تأثيرا اليوم في يد أولئك الذين كابدوا عناء ومشقة الفترة الماضية، التي اكتظت بالتشوهات “الاحتكار، المضاربة”، في الوقت ذاته الذي انقلبت فيه الأمور على العكس بالنسبة لمن جنوا أرباحا طائلة طوال تلك الحقبة العقارية الذهبية، وهم الشريحة الأقل عددا ونسبة بين أفراد المجتمع. وهذا يعني بالدرجة الأكبر أن المستفيدين بمشيئة الله تعالى من استمرار انخفاض أسعار الأراضي والعقارات هم غالبية أفراد المجتمع، حتى منشآت القطاع الخاص “انخفاض التكاليف التشغيلية”. يبقى توظيف هذه الفوائد المأمولة الآخذة في الاتساع في يد الأفراد، مشروطة بتحليها بالتفكير الرشيد، والتخطيط المالي الجيد.

يبدأ كل ذلك بعدم التسرع في الوقت الراهن في تحمل أي قروض مصرفية، لأجل شراء أرض أو عقار خلال المرحلة القصيرة الأجل الراهنة، وترقب تسارع وتيرة انخفاض الأسعار بصورة أكبر مما وصلت إليه الآن، ذلك أن انخفاض أسعار الأراضي والعقارات الجاري حدوثه الآن، لن يقابله بأي حال من الأحوال انخفاض حجم المديونية العقارية من الممول العقاري، وهنا النقطة الأهم التي يجب ألا تغيب عن الفرد الهادف لتملك أرضه أو مسكنه، وهو الأمر الذي كثيرا ما تم التركيز عليه طوال العامين الماضيين، والضرورة القصوى في الوقت الراهن على وجه الخصوص، للأخذ به من قبل الأفراد الباحثين عن تملك مساكنهم، ليتحقق لهم ذلك الهدف وفق طريقة أكثر يسرا عليهم، ودون أن يتحملوا أعباء ديون مصرفية مرتفعة، مقابل شراء أراض وعقارات تتهالك أسعارها تدريجيا بصورة أسبوعية وشهرية. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.