هل يسهم نظام العمل الجديد في زيادة البطالة؟

فتح عدد من مواد النظام الجديد للعمل خيارات أوسع أمام أرباب العمل للتخلص من العمالة الوطنية، وتحديدا المواد 74 و75 و76 و77 في الوقت ذاته، وهي المواد التي قامت وزارة العمل باقتراح تعديلها في عام 2014، وأصبحت محل التطبيق في عام 2015، وعلى الرغم من مرور تلك التعديلات بسلسلة طويلة من الإجراءات والمراجعة، كان من أهمها مرورها على مجلس الشورى لإبداء وجهة نظره حولها، إلا أن المواد أخذت طريقها “المغامر” نحو التنفيذ دون قيد أو شرط.
لقد أخذت المواد الجديدة في اعتبارها الأوضاع الاقتصادية والمالية لمنشآت القطاع الخاص، ومنحها الفرص الكاملة للتخلص من أي تكاليف تشغيلية حال انخفاض إيراداتها، لكنها في الوقت ذاته لم تضعها ضمن قيود أو شروط تقوم على الأولويات، التي من أبرزها ألا يتم الرجوع إلى تلك المواد إلا بعد أن تقوم منشآت القطاع الخاص بتطبيقها أولا على مخزون العمالة الوافدة لديها، وإذا ما تطلب الأمر لاحقا تطبيقها على العمالة الوطنية فلا بأس، على الرغم من آثاره السلبية، على أن اللجوء إلى مثل هذا الخيار في ظل هذه القيود ستكون أضراره أقل بكثير جدا مما هو الحال عليه الآن.

لقد أظهرت أحدث بيانات للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية حتى نهاية الربع الثالث من العام الماضي، انخفاض العمالة الوطنية في القطاع الخاص بنحو 50 ألف عامل مواطن، في الوقت ذاته أظهرت البيانات نفسها ارتفاع توظيف العمالة الوافدة بنحو 171.4 ألف عامل وافد، ولعمرك أنه أم التناقضات التي وقع فيها النظام الجديد قبل أن يقع فيها أرباب العمل في القطاع الخاص! فإذا كانت حجة أرباب العمل وراء إقالة العمالة الوطنية من وظائفها هي تخفيض التكاليف التشغيلية على عاتقها، فما يا ترى حجتهم التي تبرر زيادة توظيف العمالة الوافدة بأكثر من ثلاثة أضعاف العمالة الوطنية المستغنى عنها؟!

إن الآثار السلبية الوخيمة في الأجلين المتوسط والطويل للاعتماد المفرط لمنشآت القطاع الخاص على مواد نظام العمل الجديد، ستأتي أكبر مما نتصور بأرقام اليوم من أية إيجابيات محتملة وقفت خلف اقتراح تلك المواد، وهي آثار يبدو أنها لم تؤخذ بعين الاعتبار على ما يجب سواء من وزارة العمل حينئذ أو من قبل مجلس الشورى حينما أخذ رأيه في النظام الجديد! وكيف تسنى للقطاع الخاص إقرار الاستغناء عن هذه الآلاف من العمالة الوطنية لديه، رغم أن نسبتها من إجمالي العمالة لديه لا تتجاوز نسبة 15 في المائة؟ وفي الوقت ذاته أيضا؛ كيف تسنى له زيادة توظيف العمالة الوافدة في الوقت الذي ترتفع نسبتها إلى نحو 85 في المائة من إجمالي العمالة في القطاع الخاص؟! وكيف لأي منا أن يفهم هذا التناقض في قرارات منشآت القطاع الخاص، حينما نراها تقلص من أعداد العمالة الوطنية لديها بحجة ركود نشاطاتها وإيراداتها، وفي الوقت ذاته نراها تزيد من توظيف العمالة الوافدة؟!

هل أدركت وزارة العمل حينئذ حجم المخاطر الكبيرة اقتصاديا واجتماعيا، المحتمل ترتبها على مثل التسهيلات غير المقيدة بأي شرط لمصلحة أرباب العمل في القطاع الخاص؟ وأنها ستؤدي إلى زيادة مطردة في أعداد العاطلين عن العمل، بما يتعارض جملة وتفصيلا مع بقية برامجها العديدة للتوطين، وبما يتعارض أيضا مع مشروع “رؤية 2030″ التي تستهدف زيادة مساهمة العمالة الوطنية في سوق العمل، واعتبار القطاع الخاص المصدر الأول والأكبر لتوظيف العمالة الوطنية.

تحمل الزيادة المطردة للعاطلين من المواطنين شهرا بعد شهر “بدأت فعليا من يناير 2016 ولا تزال حتى تاريخه”، عديدا من الآثار والمخاطر الاقتصادية والاجتماعية وحتى الأمنية، لعل من أبرز ما يمكن ذكره منها هنا:

(1) أن معدل البطالة سيأخذ وتيرة صعود أعلى، سيغذي نموها المتصاعد زيادة أعداد الخريجين والخريجات من جهة ولا يجد أغلبها فرصا للعمل، ويغذي نموها أيضا زيادة أعداد المستغنى عنهم كما أظهرته بيانات التأمينات الاجتماعية. وأرجو ألا نكون على موعد تصل البطالة إلى معدل قد يفوق نسبة الـ20 في المائة أو أكثر في منظور العامين المقبلين!

(2) أن زيادة العاطلين من المواطنين ستؤدي إلى انخفاض الطلب المحلي الاستهلاكي، وهذا يعني بدوره مزيدا من انخفاض الإيرادات على منشآت القطاع الخاص، ولن يعوض ذلك النقص بأي حال من الأحوال زيادة توظيف العمالة الوافدة ذات الأجور المتدنية، وذات المعدل الأعلى من الادخار والأدنى استهلاكيا، الذي بدوره سيدفع منشآت القطاع الخاص إلى اتخاذ مزيد من قرارات الاستغناء عن العمالة الوطنية مستقبلا بسبب استمرار انخفاض إيراداتها، والدخول من ثم في حلقة مفرغة من انخفاض الإيرادات يعقبه ارتفاع في وتيرة الاستغناء عن العمالة الوطنية، وهكذا..

(3) النتيجة الحتمية لكل ما تقدم، ستنعكس سلبا على النمو الاقتصادي الوطني دون أدنى شك، وهو الأمر الذي يحمل في طياته كثيرا من التطورات السلبية اقتصاديا، بدءا من انخفاض الطلب المحلي، مرورا بتعثر من فقدوا وظائفهم ودخلهم عن سداد المستحقات عليهم من قروض بنكية وإيجار مساكنهم، وانتقال الآثار السلبية فيما يشبه العدوى المالية والاقتصادية والاجتماعية لبقية المعطيات المحلية دون استثناء.

(4) لا يقف الأمر المقلق هنا عند ما تقدم ذكره؛ بل يتخطاه إلى ارتفاع المحاذير الاجتماعية والأمنية نتيجة ارتفاع معدل البطالة، وتحديدا إذا كان العاطل الجديد هنا رب أسرة، وما قد يؤدي به الحال إذا ارتفعت نسبة العاطلين من أرباب الأسر إلى التفكك الأسري، والتورط في جرائم سرقات أو خلافه، دع عنك المخاطر الأمنية الأخرى التي لا قبل لأي مجتمع كان بها! وكل هذا لأجل ماذا؟ سنجد أننا جميعا قد أغفلنا جوانب لا يمكن إغفالها بأي حال من الأحوال، في الوقت ذاته الذي تركزت رؤية من قام باقتراح تلك التعديلات على نظام العمل على زاوية ضيقة جدا، لم تأخذ في اعتبارها كل تلك المخاطر والآثار الوخيمة اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا.

إننا بحاجة قصوى في الوقت الراهن إلى اتخاذ تدابير عاجلة بتعليق العمل بتلك المواد الجديدة، تمهيدا لتعديلها ومراجعتها، والعمل على تدارك عدم الوقوع في تلك الورطات الخطيرة، وهو ما سيكون له حديث أوسع بمشيئة الله تعالى في مقال آخر.  والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.