الحماية القصوى للعاطلين والمجتمع والاقتصاد

أستكمل ما بدأت الحديث عنه في المقال الأخير “هل يسهم نظام العمل الجديد في زيادة البطالة؟”، وضرورة اتخاذ التدابير والإجراءات المبكرة لاحتواء الآثار المحتملة لما يجري الآن من توسع منشآت القطاع الخاص في الاستغناء عن عمالتها الوطنية، بالاستناد إلى المواد الجديدة المعدلة في نظام العمل الجديد (74 و75 و76 و77).
تتوسع تلك التدابير والإجراءات المأمول اتخاذها في الوقت الراهن، مستهدفة توفير الحماية القصوى للعاطلين أولا من الانعكاسات السلبية نتيجة فقدانها لمصدر دخلها الثابت، وتوفير الحماية أيضا لمقدرات الاقتصاد والمجتمع من أية آثار سلبية محتملة على نطاقات أوسع وأكبر، قد تنتج عن ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل؛ سواء ممن فقدوا وظائفهم أخيرا، أو ممن ما زالوا يترقبون الحصول على فرص للعمل الكريم. سأستعرض تلك التدابير والإجراءات المأمولة في محاور رئيسة مختصرة، هي على النحو الآتي.

المحور الأول: أن يتم تعليق العمل بالمواد المشار إليها أعلاه في نظام العمل الجديد، والعمل بشكل عاجل على إعادة مراجعتها وتعديلها، بصورة تضمن قدرا أكبر من حماية العمالة الوطنية، التي تعني بدورها حماية أكبر لمقدرات الاقتصاد والمجتمع، وليس كما يعتقد البعض أنها مجرد إرغام القطاع الخاص على توظيف المواطنين، والاحتفاظ بهم في وظائفهم، دون الأخذ بالاعتبار الظروف والتحديات التي يمر بها القطاع خلال المرحلة الراهنة. القضية هنا ليست “شعبوية” كما تفتقت عنه ذهنية بعض القاصرة نظرتهم، بقدر ما أنها قضية أكبر ترتبط بضمان استقرار اقتصاد ومجتمع، لن نجني شروى نقير لاحقا إذا نحن تركنا لمنشآت القطاع الخاص الحبل على الغارب؛ تفرط أيما إفراط في زيادة أعداد العاطلين عن العمل من المواطنين، وفي الوقت ذاته نراها إما تحتفظ بمخزونها الهائل من العمالة الوافدة، أو تزيد من استقدامها لها وتوظيفها!

المحور الثاني: حتى تنتهي الجهة الحكومية المكلفة بإعادة مراجعة وتعديل مواد نظام العمل الجديد، وأثناء تلك الفترة أن يجبر القطاع الخاص إذا ما أراد تقليص تكاليفه التشغيلية، على الاستغناء فقط من مخزونه الهائل جدا من العمالة الوافدة “8.6 مليون عامل وافد، مقابل 1.7 مليون عامل مواطن فقط حتى نهاية الربع الثالث من 2016″. وأن تأخذ الجهة الحكومية بعين الاعتبار أثناء عملها على مراجعة وتعديل مواد إنهاء عقود العمل في النظام الجديد، أن يتم تفعيلها من قبل منشآت القطاع الخاص، بعد أن تستوفي كامل خياراتها المتاحة بالاستغناء عن مخزونها من العمالة الوافدة، فإذا استنفدت كامل تلك الخيارات؛ أمكن لها الاستغناء عن موظفيها من العمالة الوطنية، وهي النقطة التي سيصعب جدا الوصول إليها بالنسبة لأغلب منشآت القطاع الخاص “العملاقة، الكبرى، المتوسطة”، فيما قد تضطر المنشآت الصغرى للجوء إليها، إلا أنه في المحصلة النهائية لن نكون بأي حال من الأحوال في مواجهة عاصفة بالغة التدمير من مئات الآلاف من العاطلين المواطنين، كما يحدث الآن إذا تركت الأمور على ما هي عليه دون قيد أو شرط وفق مواد نظام العمل الراهنة!

المحور الثالث: أمام التباطؤ المحتمل لتوظيف المواطنين خلال المرحلة الراهنة ومستقبلا، وضعف قدرة منشآت القطاع الخاص على زيادة توظيفها للمواطنين، قياسا على ما نشهده جميعا من لجوئها للاستغناء عن شرائح واسعة من عمالتها، سيصبح المغذي الأكبر لأعداد العاطلين عن العمل محصورا بالدرجة الأكبر من حديثي التخرج من التعليم! ورغم أنه حمل شاق جدا على أي اقتصاد ومجتمع حول العالم، إلا أنه في الوقت ذاته يظل حملا أقل وزنا مما لو كنا أمام مخزون هائل من العاطلين عن العمل، غذى نموه وحجمه البالغ الخطورة فاقدون لأعمالهم بعشرات الآلاف من جانب، ومن جانب آخر مئات الآلاف من حديثي التخرج!!

أمام تحديات تنموية كأداء كهذه؛ يقتضي الأمر تقديم جهود أكبر بكثير مما هو عليه الوضع الراهن من قبل كل من: هيئة توليد الوظائف، صندوق الموارد البشرية، هيئة دعم المنشآت المتوسطة والصغيرة، دون إغفال الأدوار المهمة جدا من قبل بقية الأجهزة الحكومية ذات العلاقة “مجال واسع جدا يتطلب طرح الكثير من الرؤى والمقترحات، لا يتسع له المجال هنا”، تستهدف الجهود المأمول بذلها العمل الدؤوب على إيجاد ونمو فرص العمل أمام طالبيها من المواطنين والمواطنات، التي تقتضي تحفيز وتشجيع نمو الفرص الاستثمارية محليا، ودعم منشآت القطاع الخاص بالسبل الممكنة كافة، وتوفير أقوى أحزمة الحماية الاقتصادية والاجتماعية للعاطلين عن العمل، سواء من فقدوا وظائفهم أو من طال بهم انتظار الحصول على فرص عمل من حديثي التخرج.

لا بد أن ندرك جميعا أنه من الواجب الوطني علينا دون استثناء؛ اتخاذ التدابير والإجراءات والقرارات اللازمة التي تكفل حماية مقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، وأن نتخطى مخاطر قصور بعض الأنظمة أو الإجراءات التي قد تؤدي إلى إلحاق أبلغ الأضرار الجسيمة باستقرارنا على المستويات كافة، وأن مخاطر خسارتنا لأي مكتسبات تكونت لدينا على مدار عقود من الزمن، لا يمكن تعويضها بأي حال من الأحوال في وقت قريب لا قدر الله.

نعلم جميعا بحجم الوعثاء الكبيرة التي يعاني منها القطاع الخاص، سبق الحديث والكتابة عنها طوال أكثر من عقد مضى، أصبحت مفهومة لدى أغلب أفراد المجتمع، وقبلهم المسؤولين في الأجهزة التنفيذية الحكومية، وهو تحد تنموي هائل لا يمكن إغفاله أو تجاهله، لكن معالجته لا تعني السماح بإعادة البدء من نقطة الصفر، خاصة في ضوء التحديات التنموية الهائلة التي نعبرها خلال الفترة الراهنة ومستقبلا، وأن خياراتنا بفضل الله تعالى أوسع بكثير من الاضطرار إلى عبور أعقد وأصعب الطرق كما هو حادثٌ الآن. يستهدف كل ما تقدم طرحه أعلاه، وما سيستكمل التطرق إليه مستقبلا، أن نحافظ على مقدرات بلادنا اقتصاديا واجتماعيا بالدرجة الأولى، وأن نتجنب السقوط في مخاطر مدمرة نحن في غنى تام حتى عن 1 في المائة منها، ولا يراد لنا أن نتورط فيها قبل فوات الأوان، وأن ما قد نكابده خلال المرحلة الراهنة من تكاليف استثنائية لا يقارن أبدا بحجم التكاليف والخسائر الرأسمالية الهائلة، التي تتسبب فيها وتيرة التطورات الراهنة إذا هي تركت على وضعها الحالي دون تدخل أو معالجة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.