برنامج «نطاقات» جديد لفصل العمالة

في الوقت الذي يقترح خلاله تعليق العمل بمواد “74 و75 و76 و77″ من نظام العمل الجديد، والعمل بشكل عاجل على إعادة مراجعتها وتعديلها، بصورة تضمن قدرا أكبر من حماية العمالة الوطنية، وحتى تنتهي الجهة الحكومية المكلفة بإعادة مراجعة وتعديل تلك المواد، وأثناء تلك الفترة أن يجبر القطاع الخاص إذا ما أراد تقليص تكاليفه التشغيلية، على الاستغناء فقط من مخزونه الهائل جدا من العمالة الوافدة “8.6 مليون عامل وافد، مقابل 1.7 مليون عامل مواطن فقط حتى نهاية الربع الثالث من 2016″. والضرورة القصوى بأن تأخذ الجهة الحكومية بعين الاعتبار أثناء عملها على مراجعة وتعديل مواد إنهاء عقود العمل في النظام الجديد، أن يتم تفعيلها من قبل منشآت القطاع الخاص، بعد أن تستوفي كامل خياراتها المتاحة بالاستغناء عن مخزونها من العمالة الوافدة، فإذا استنفدت كامل تلك الخيارات؛ أمكن لها الاستغناء عن موظفيها من العمالة الوطنية، وهي النقطة التي سبقت الإشارة إليها؛ سيصعب جدا الوصول إليها بالنسبة لأغلب منشآت القطاع الخاص “العملاقة، الكبرى، المتوسطة”.
أؤكد في ظل ما تقدم ذكره، قد تقترح وزارة العمل والتنمية الاجتماعية برنامجا آخر مشابها لبرنامج نطاقات للتوظيف، إلا أنه هذه المرة سيكون برنامجا معنيا بإنهاء عقود العمل! فكما أن بوابة التوظيف خضعت لآلية محددة تتعلق بتحقيق نسب التوطين المستهدفة، فقد يكون من الضروري خلال الظروف الاقتصادية الراهنة غير المواتية، التي شهدت عمليات واسعة من إنهاء عقود العمالة الوطنية دون قيد أو شرط، أن يتم تقييدها بآليات أكثر قوة وصرامة، سواء أثناء الفترة المقترحة لتعليق العمل بمواد النظام المتعلقة بإنهاء العقود لمراجعتها وإعادة تقنينها من جديد، أو حتى بعد انتهاء تلك الفترة ونفاذ العمل بالتعديلات الجديدة المأمولة.

الفكرة الأولية للبرنامج المقترح هنا؛ تنطلق من معدل التوطين المتحقق للمنشأة، فلا يمكن أن تتم المساواة في تطبيق مواد إنهاء العقود بين منشأة تمكنت من تحقيق معدل توطين أعلى من 90 في المائة، مع منشأة أخرى لا يتجاوز معدل التوطين فيها الـ 15 في المائة! حيث يجب أن يتمتع البرنامج المقترح هنا بمرونة كافية جدا، تشترط على منشآت القطاع الخاص حال اضطرارها لإنهاء عقود العمالة لديها، التي تصل معدلات التوطين فيها إلى 75 في المائة فأكثر، ألا تقل معدلات التوطين فيها عن تلك المتحققة قبل قرارات إنهاء العقود، وهو ما يعني أن أية عمليات لإنهاء العقود ستشمل حال اللجوء إليها الجميع “وطنية، وافدة”، والعمل من ثم على ضمان أكبر لحماية العمالة الوطنية من فقدان وظائفها، وفي الوقت ذاته تحقيق المرونة الكافية للمنشأة للتعامل مع التحديات التي تكابدها، وتضطرها إلى تقليص تكاليفها التشغيلية للتكيف مع المستجدات والتطورات السلبية الطارئة على إيراداتها.

أما بالنسبة للمنشآت التي تقع معدلات التوطين لديها بين 50 في المائة إلى 75 في المائة، فيلزمها البرنامج الجديد المقترح أن يترتب على أية قرارات بإنهاء عقود العمالة لديها، تحقق ارتفاع معدلات التوطين لديها بعد تنفيذ قرار الاستغناء عن جزء من العمالة، مقارنة بما كانت عليه قبل القرار! أي بمعنى إذا قامت إحدى المنشآت الواقع معدل التوطين لديها ضمن النطاق أعلاه، كأن يكون 60 في المائة على سبيل المثال، أن ترتفع تلك النسبة بعد قرار إنهاء عقود عمل العمالة الواقع عليها القرار، إلى أعلى من 60 في المائة. هذا يعني أن المنشأة ستتركز لديها عمليات إنهاء العقود على العمالة الوافدة لديها بنصيب أكبر من العمالة الوطنية! ما سيخفف بشكل كبير زيادة العاطلين من المواطنين، وفي الوقت ذاته يتيح للمنشأة خيارات أوسع للتكيف مع أوضاعها التجارية والمالية غير المواتية.

وبالنسبة للمنشآت التي تقع معدلات التوطين لديها دون الـ50 في المائة، فهذه يجب أن يلزمها البرنامج الجديد المقترح بحصر قرارات إنهاء أية عقود عمل لديها على العمالة الوافدة فقط! وهو ما سيعني تدرجها إذا ما استمرت في عمليات إنهاء عقود عمالتها الوافدة ارتفاع معدل التوطين لديها من جانب، ومن جانب آخر سيتيح لها في الأجل الطويل دخولها النطاق المتوسط (50 – 75 في المائة كمعدل توطين)، الذي سيتيح لها في ظروف ضيقة جدا إمكانية إنهاء عقود بعض عمالتها الوطنية، إلا أنه سيأتي أقل ضررا بكثير مما هو قائم الآن في المرحلة الراهنة، التي تشهد تركز إنهاء عقود العمل على المواطنين فقط، ويزداد الأمر سوءا أنه في المقابل نشاهد ارتفاعا غير مفهوم الأسباب للاستقدام من الخارج وتوظيف العمالة الوافدة!

مما تقدم؛ سنجد أن تقنين وتنظيم إنهاء عقود العمل سيخضعان لآلية أكثر حماية لمقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع، قبل أن توفر الحماية اللازمة للعمالة الوطنية، وفي الوقت ذاته تتيح مرونة كافية لمنشآت القطاع الخاص تمكنها من التكيف مع أية ظروف اقتصادية ومالية غير مواتية، أدت إلى تراجع إيراداتها وهوامش أرباحها. كما أنها الآلية التي تشكل طريقا ثالثا أقل آثارا سلبية على البلاد والعباد، تتمتع بالمرونة اللازمة مقارنة بنظام العمل القديم، الذي عارضه أرباب العمل طوال سنوات مضت، وفي الوقت ذاته أكثر حزما وتقييدا من النظام الجديد المعمول به في الوقت الراهن، الذي فتح الباب دون قيد أو شرط لأرباب العمل، ما أدى إلى فقدان كثير من العمالة الوطنية وظائفها ومصدر دخلها الوحيد والثابت.

إن على وزارة العمل والتنمية الاجتماعية التعامل مع هذه القضية تحديدا؛ بقدر أعلى من الاهتمام والحذر والجدية، وأن تدرك تمام الإدراك المخاطر الكبيرة جدا لارتفاع معدل البطالة بتسارع يفوق قدرة الاقتصاد والمجتمع، وبما يعجزهما تماما عن التكيف اللازم مع تلك المخاطر! فهل نرى قريبا سرعة في التحرك من قبلها تجاه ما نواجهه من توسع اعتماد واستناد منشآت القطاع الخاص لمواد نظام العمل الجديد، المتعلقة بإنهاء عقود العمالة لديها؟ والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.