الاحتواء المبكر لارتفاع معدل البطالة

لأهمية ما ورد في المحور الثالث من التدابير اللازم اتخاذها مبكرا، اتجاه الآثار المحتملة لما يجري خلال المرحلة الراهنة من تساقط العمالة الوطنية من وظائفها في منشآت القطاع الخاص، الذي ذكرته في مقال الأسبوع الماضي هنا بصحيفة “الاقتصادية” “الحماية القصوى للعاطلين والمجتمع والاقتصاد”، ما يؤيد بصورة قوية ضرورة سرعة تحرك وزارة العمل والتنمية الاجتماعية وبقية الأجهزة الحكومية ذات العلاقة؛ نحو وضع ما يجب من تدابير وإجراءات تحد من تفاقم تلك الآثار السلبية، وهي التدابير التي يستهدف أن تكفل حماية مقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، وأن نتخطى مخاطر قصور بعض الأنظمة أو الإجراءات التي قد تؤدي إلى إلحاق أبلغ الأضرار الجسيمة باستقرارنا على المستويات كافة، وأن مخاطر خسارتنا لأي مكتسبات تكونت لدينا على مدار عقود من الزمن، لا يمكن تعويضها بأي حال من الأحوال في وقت قريب لا قدر الله.
انطلق ذلك المحور من حقيقة واقعة اليوم على أرض الواقع، الحقيقة التي لا يصح أن نقفز عليها لأي سبب كان، وأن الجهد الأمثل في الظروف الراهنة العمل على مواجهتها بثقة وذكاء وجدية، تقول تلك الحقيقة؛ إنه أمام التباطؤ المحتمل لتوظيف المواطنين خلال المرحلة الراهنة ومستقبلا، وضعف قدرة منشآت القطاع الخاص على زيادة توظيفها للمواطنين، قياسا على ما نشهده جميعا من لجوئها للاستغناء عن شرائح واسعة من عمالتها، سيصبح المغذي الأكبر لأعداد العاطلين عن العمل محصورا بالدرجة الأكبر من حديثي التخرج من التعليم. ورغم أنه حمل شاق جدا على أي اقتصاد ومجتمع حول العالم، إلا أنه في الوقت ذاته يظل حملا أقل وزنا مما لو كنا أمام مخزون هائل من العاطلين عن العمل، غذى نموه وحجمه البالغ الخطورة فاقدون لأعمالهم بعشرات الآلاف من جانب، ومن جانب آخر مئات الآلاف من حديثي التخرج. تلك هي حقيقة المشهد لدى أغلب منشآت القطاع الخاص، فما أهم تلك الآثار السلبية المحتمل تفاقمها التي نتحدث جميعا عن ضرورة التصدي لها من الآن؟ حتى لا يتشتت تركيزنا تجاه هذا الخطر الخفي تحت أي تبرير أو تهوين من قبل أرباب العمل في القطاع الخاص، أو من قبل بعض المختصين والمهتمين بهذه القضية تحديدا، سيتم التركيز على الآثار التالية:

أولا، سيؤدي تساقط العمالة الوطنية من وظائفها في القطاع الخاص بتلك الأعداد الكبيرة، إلى انقطاع مصادر دخلها الثابت، ومن ثم إلى تعثرها عن سداد الاستحقاقات المالية عليها، ومن أهمها استحقاقات سداد القروض البنكية “استهلاكية، عقارية”، وهي أعداد كبيرة كما أثبتتها البيانات الصادرة عن عديد من الجهات الرسمية لدينا. الشاهد هنا؛ أن القطاع التمويلي سيكون على موعد متسارع مع انكشافه بصورة أكبر مع كل زيادة في الاستغناء عن الأفراد العاملين المواطنين والمواطنات في القطاع الخاص، وحينما تكشف بيانات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عن انخفاض العمالة الوطنية في القطاع الخاص بنحو 50 ألف عامل خلال تسعة أشهر فقط، فهذا يعني أن أعداد من فقدوا وظائفهم أكبر من هذا العدد “كون الرقم ناتج طرح رصيد العمالة الوطنية بنهاية الربع الثالث 2016 من الرصيد في نهاية الربع الرابع 2015″، حيث إنه تم خلال تلك الفترة توظيف عشرات الآلاف من السعوديين والسعوديات، لكن في الوقت ذاته تم فصل عشرات الآلاف، والرقم يعبر عن صافي التغير، الذي يشير إلى أن أعداد الفاقدين لوظائفهم يفوق رقم 50 ألف عامل.

إذا يعني اتساع شريحة من فقدوا وظائفهم ومصدر دخلهم الثابت من جانب آخر، إذا كان أغلبهم مقترضا من القطاع التمويلي المحلي، أن مسألة تعثرهم عن السداد أمر محسوم. وهذا بدوره سيلقي بظلاله القاتمة على ملاءة القطاع التمويلي، ويضطره لاحقا لزيادة مخصصات تعثر ائتمان الأفراد، ما سيؤدي إلى تقليص ربحية القطاع ومن ثم يخفض من جاذبيته الاستثمارية، وانتقال تلك الآثار إلى عدم استقرار القطاع المالي والسوق المالية المحلية.

ثانيا، أيضا سيؤدي انقطاع مصدر الدخل الثابت للعاطلين الجدد، وتحديدا أرباب الأسر منهم إلى تعثرهم عن سداد إيجارات مساكنهم، وقد يؤدي ذلك بنسبة كبيرة إلى اتساع أشكال التفكك الأسري، وانتقالها للعيش مع عائلات أخرى، وهو ما سيمثل ضغوطا معيشية شديدة الوطأة على جميع الأسر.

ثالثا، سيكون من نتائج ما تقدم؛ انخفاض الطلب المحلي الاستهلاكي، الذي بدوره سيؤدي إلى تقليص إيرادات منشآت القطاع الخاص، التي ستعود أمام الطريق الممهد نظاميا أمامها لاتخاذ قرارات مستقبلية بالاستغناء عن مزيد من العمالة الوطنية والوافدة، لتزيد بدورها من جانب تفاقم المخاطر والآثار السلبية المذكورة أعلاه، وتزيد أيضا من توغل القطاع الخاص في مزيد من تباطؤ نموه وتراجع إيراداته، وكأنما دخل في حلقة مفرغة من الهبوط في المبيعات والتوظيف مرحلة بعد مرحلة.

رابعا، هل يظن أن تمر تلك الآثار السلبية أعلاه مرور الكرام، دون أن تخلف وراءها آثارا سلبية على الاقتصاد والمجتمع والاستقرار بشكل عام؟ هذا أمر لن يختلف عليه اثنان، حتى من هم في حالة جدال قائم في الوقت الراهن أمام ما يقوم به القطاع الخاص من عمليات واسعة بالاستغناء عن العمالة الوطنية. إنها نوافذ مقيتة ستنبعث منها آثار تضعف النمو الاقتصادي دون شك، وقد يؤدي استدامة عمرها إلى سلبية نمو الاقتصاد، وإضعاف فرص استقراره. كما ستخلف وراءها ضغوطا مادية هائلة على النسيج الاجتماعي “الأفراد والأسر”، سينشأ عنها كثير من الأزمات الاجتماعية والأسرية التي لم يكن لها في الأصل أي مبرر لتنشأ أو توجد، وماذا سنجني من تفتت الأسر وزيادة معدلات الطلاق وغيرها من الاحتمالات الأخرى غير المستقرة؟

إنني وغيري كثيرون جدا؛ نحمل آمالا كبيرة بأن تبدأ مواجهة هذه المخاطر من المربع الأول، الممثل في الفراغ الكبير الذي أحدثته مواد نظام العمل “74 و75 و76 و77″، ليتم تعليق العمل بها مبكرا، والعمل فورا على معالجتها وإعادة تدوينها بما يحفظ مقدرات بلادنا اقتصاديا واجتماعيا، ويؤمن لمكتسباتنا ومواردنا البشرية الاستقرار والأمان. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.