الغش التجاري .. خراب الاقتصاد والمجتمع «1 من 2»

آفة الآفات، وورطة لم نستطع حتى يومنا الراهن الخروج منها، تفاقمت أضرارها على الاقتصاد الوطني والمجتمع من كل حدب وصوب، تدفقت سموم الغش التجاري من عديد من منشآت القطاع الخاص لدينا، مدسوسة بإحكام في مختلف المنتجات والخدمات المبيعة بأعلى الأسعار. ولم يقف إهداء تلك المنشآت المتورطة في هذه الآفة عند هذا الحد؛ بل ذهبت إلى أقاصي المعمورة، بحثا عن جلب ما أحكم الغش وسوء التصنيع فيه، مستوردة إياه ببخس الثمن، لتبيعه في أسواقنا المحلية بباهظ السعر!
بدأت القصة المغشوشة من تمادي أنفس ضعيفة أمام شهوة المال إلى حدود تجاوزت كل ما يمكن التفكير فيه، والحديث هنا يتركز على الأنشطة التجارية والخدماتية والصناعية، حتى تهيّأ لدى كثير من التجار أو حتى من استهوته هذه المهنة، أنه لا سبيل إلى تحقيق الأرباح الهائلة إلا إذا احترفت لعبة “الغش”، دون النظر إلى شرط الحلال من الحرام فيما يخص مصادر تلك الأموال!

يثار كثير من الأسئلة التي لم يجد أغلبها إجابة شافية حتى الآن؛ لماذا يتعمد بعض المنتجين المحليين دس غش خطره على الجميع، في سلعه ومنتجاته وخدماته؟ وتحديدا المنتجات السكنية التي يتحمل المستهلك لأجل شرائها أعباء مالية هائلة “مدخرات العمر زائدا قروضا مصرفية طائلة”، سرعان ما يرى جدرانه وقد تصدعت، وانكشف سوء “تطويره” المغشوش على رأس المشتري وأسرته، دع عنك ما أصبح معتادا كشفه بمئات الحالات اليومية من قبل مفتشي وزارة التجارة من أوكار احترفت إنتاج “الغش التجاري” في أغلب السلع الاستهلاكية والغذائية، إلى أين يريد أولئك المجرمون أن يذهبوا بنا؟! هذا في الجانب المحلي فقط.

أما في الجانب الخارجي؛ فحدث ولا حرج! حتى إن “شهية” موردي تلك السلع المقلدة والمغشوشة تجاه بلادنا، تجاوزت حدود العقل والخيال على حد سواء، فمن أغراها ورفع مستوى “شهيتها” المدمرة تجاهنا؟ هل هم تجارنا من وكلاء وممثلين تجاريين وموزعين إلى آخر تلك الجوقة ممن لا هم لهم إلا تحقيق أعلى أرباح، دون النظر إلى أي تأثيرات سلبية يمكن أن تتركها في المجتمع والاقتصاد الوطني؟ وهو ما أكده سفير الصين قبل عدة أعوام؛ حينما ذكر أن تجاركم “يعني السعودية” هم من فتحوا الباب أمام تلك السلع الرديئة باستيرادها من الصين، على حساب السلع الجيدة المتوافرة لدى المصنعين الصينيين.

هل كل ذلك يشير إلى ضعف تطبيق المواصفات ومقاييس الجودة، وضعف الرقابة على الأسواق المحلية؟ أم أنه يعني تفوق قدرات ونفوذ التجار المتورطين في جلب تلك الشرور في هيئة سلع على الأنظمة الرقابية للأجهزة الحكومية ذات العلاقة؟ أيضا؛ ما الذي دفع بهذه السلع المقلدة والمغشوشة إلى رواجها بهذه الصورة الخطيرة في سوقنا المحلية؟ هل هو ضعف الوعي الاستهلاكي لدى المجتمع، أم هو غياب التوعية والتحذيرات وعدم كفايتها من قبل الأجهزة المعنية، وفي مقدمتها جمعية حماية المستهلك؟ أم أن السبب أتى من ضآلة مستوى الدخل لدى المواطنين، الذي حشر المواطن أمام خيار لا بديل له؛ عدم قدرته من حيث الدخل على شراء السلع الأصلية المرتفعة الثمن مقارنة بالقيمة الأدنى للسلع المقلدة أو المغشوشة؟ أسئلةٌ إن وجدت إجابة عن بعضها، سرعان ما ستجد نفسك أمام منعطفات أخرى أعمق وأكثر غموضا وعتمة، تجعلك تدور حول نفسك حائرا تائها في غياهب لا قرار لها!

هل وقعنا ضحية “تاجر” لم يعد يهمه إلا جمع الأموال بأي طريقة كانت؟ أم وقعنا ضحية “عامل وافد” تم التستر عليه من “مواطن” لا خوف أو رادع لدى أي منهما بالتورطِ في الممارسات القذرة للغش؟ ولماذا أمام حالة الجهود المخلصة التي بدأتها وزارة التجارة والصناعة مشكورة، بدأت جحافل عديد من التجار تقاوم بكل شراسة تلك الجهود الوطنية؟ أليس هذا في الأصل هو دور وزارة التجارة؟ ولماذا يقاومها بكل تلك الشراسة والتمرد مجاميع من التجار؟ ألا يدركون حجم المخاطر والمفاسد التي تترتب على ممارساتهم المخالفة تماما للشريعة والأخلاق والأنظمة المعمول بها في بلادنا؟ ألهذا القدر أصبح الوطن بكل مقدراته وأولها “المواطن وأسرته” رخيصا أو لا قيمة له في ميزان اعتباراتهم التجارية والاستثمارية؟

يجب أن يدرك المواطن قبل التاجر حجم الجهود الكبيرة التي يتم بذلها في الوقت الراهن لأجل حمايته، تلك الجهود المخلصة من قبل الأجهزة الرسمية كافة، في مقدمتها جهود الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة ومصلحة الجمارك ووزارة التجارة والاستثمار والمركز السعودي لكفاءة الطاقة وغيرها من الأجهزة ذات العلاقة، أؤكد أن عليه إدراك ألا جدوى كبيرة منها دون تعاونه معها، وأن عليه دورا ومسؤولية لا يقل حجمهما عن حجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل جهاز من تلك الأجهزة، وأن عليه وضع يده بيدها لمحاربة أشكال الغش والتلاعب والممارسات التجارية المخالفة، فهو الضحية الأولى المستهدفة لكل تلك الممارسات الإجرامية، وهو أيضا المستفيد الأول من نجاح جهود محاربتها!

كما يجب أن يدرك “التاجر” جيدا أن عهد اهتراء الرقابة وتطبيق العقوبات الصارمة على المخالفين، وضرورة الالتزام التام بالمواصفات والمقاييس وشروط الجودة قد ولى إلى غير رجعة، فإما أن يلتزم مرغما بلغة القانون والنظام، وإما أن يتحمل نتائج مخالفته لأي فقرة من موادها، حتى ولو وصل به الأمر إلى إغلاق نشاطه التجاري أو الصناعي غير مأسوف عليه! تلك هي القاعدة الجديدة؛ إن رضي بها والتزم ببنودها كاملة فقد اشترى سلامته، وإن لم يرض بها، ورأى نفسه وجاهه فوقها فلا يلومن إلا نفسه الأمارة بالسوء بعدها. وللحديث بقية، والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.