الغش التجاري .. خراب الاقتصاد والمجتمع «2 من 2»

أستكمل الحديث عن خراب أي اقتصاد ومجتمع ممثلا في “الغش التجاري”، الذي أصابنا من داخل الاقتصاد “المنتجين المحليين”، ومن خارجه عبر السلع المستوردة من خارج الحدود، لتنصب آفاته على رؤوسنا جميعا، ما يتطلب من الجميع دون استثناء اتخاذ موقفه المسؤول لمحاربته، بدءا بقيام الأجهزة المعنية “الجمارك، وزارة التجارة” بتعزيز وتكثيف جهود الكشف عن تلك السلع والخدمات المغشوشة، مرورا بمقاطعة الشراء من قبل المستهلكين، وعدم التورط في تحمل جرائره الكوارثية، حتى تبور بضاعته المغشوشة في يد من تورط بإنتاجها أو قام باستيرادها، وانتهاء بوسائل الإعلام والتواصل الحديثة على اختلاف أنواعها لنشر وتعزيز الوعي الاستهلاكي لدى أفراد المجتمع، لحمايتهم من الوقوع فريسة سهلة لمنتجي وموردي تلك الآفات.
إنها منظومة العمل المتكاملة؛ التي يؤمل أن تتضافر مجتمعة في اتجاه هدف واحد “حماية مقدرات البلاد والعباد” من عبث المتورطين في “الغش التجاري”، سيتحقق على أثره: (1) حماية الاقتصاد الوطني والمجتمع من الآثار المدمرة لتلك الآفات، التي لا حصر لأضرارها الوخيمة. (2) حماية الكيانات الصناعية والتجارية والخدماتية المحلية الملتزمة بالأنظمة والمواصفات، التي تتعرض لخسائر فادحة نتيجة انتشار السلع المقلدة والمغشوشة، ولا تستطيع منافستها في السوق المحلية، ولك أن تتخيل حجم الخسارة الكبرى إذا اضطرت تلك المنشآت الملتزمة بمغادرة السوق وإيقاف نشاطها! (3) التنظيف التام لبيئة قطاع الأعمال محليا من وجود كيانات مخالفة، اعتادت جني أرباحها الكبيرة جدا من تورطها في ممارسات مخالفة ومجرمة، والضحية أولا وآخرا هنا هما الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.

يعد اقتصادنا الوطني ضمن أكبر عشرة اقتصادات مستوردة للسلع والخدمات على مستوى العالم، كما يعد ضمن أكبر خمسة اقتصادات حول العالم استقداما للعمالة الوافدة من الخارج، وأمام ضعف أدوات الرقابة والمواصفات اللتين بدأتا بالتطور أخيرا، أؤكد أنها أمام تلك التحديات الجسيمة، لا بد أنها ستكون أكثر عرضة وانكشافا أمام تجارة عالمية للسلع والبضائع المغشوشة، تجاوزت قيمها التقديرية أعلى من خمسة تريليونات ريال على مستوى التجارة العالمية.

المؤكد هنا؛ أن الأجهزة الرقابية ممثلة في مصلحة الجمارك ووزارة التجارة والاستثمار، وتحديدا الإدارات المعنية بمواجهة عمليات الغش التجاري والتقليد، أول أسلحتها للمواجهة الفاعلة مع تلك “الأنشطة السرية” لتلك العمليات هو الشفافية الإعلامية، فالمستهلك بحاجة أكبر ليس إلى “الحماية” بل إلى “العناية” و”التوعية” و”التثقيف” بخطورة وحساسية تلك الأنشطة المخالفة للأنظمة سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الوطن بكل اتجاهات كل منهما. ثم الفعالية القصوى في تطبيق القوانين والعقوبات الصارمة ضد كل من تسول له نفسه بارتكاب تلك “الجرائم” في حق مجتمعه ووطنه. ثم زيادة وتنسيق الجهود والأعمال التكاملية بين جميع الجهات الرسمية والأهلية المعنية “الغرف التجارية والصناعية والشركات الكبرى” في إطار مواجهة تلك العمليات المشبوهة للغش التجاري والتقليد، مع أهمية إشراك أفراد المجتمع في تلك الجهود من خلال المؤتمرات والندوات ووضع الجوائز القيمة والتحفيزية لكل من يسهم في كشف وفضح تلك العمليات الإجرامية الخفية.

تستوعب الإجابة كل تلك الاحتمالات السابقة أعلاه، ما يعني أن طريق الإصلاح والمعالجة يستوجب أخذ كل الاحتمالات في عين الاعتبار. تؤكد الجهود الرسمية التي يتم بذلها في الوقت الراهن على مستوى هذا التحدي الجسيم، أن الثغرات على مستوى كل من تطوير المواصفات ومقاييس الجودة، والرقابة والتفتيش على السوق المحلية، وإعادة ترتيب الاتفاقيات مع الدول الموردة إلى بلادنا، كلها قد اتخذت خطوات جادة وصارمة لا تخاذل أو تراجع عن الإسراع بها، وهو ما بدأت نتائجه الملموسة تظهر على السطح، بدءا مما يعكف المركز السعودي لكفاءة الطاقة ــ بما يمثله من مختلف الأجهزة المعنية ــ عليه من وضع برامج وآليات تستهدف الحد من سوء استهلاك الطاقة في بلادنا وفق أشكاله المتعددة، التي تشمل تعديل مواصفات الأجهزة الكهربائية المنزلية، وأجهزة الإضاءة، ومواد العزل، وكمية استهلاك وقود السيارات ومصانع الحديد والأسمنت والبتروكيماويات. وانتهاء بتوقيع وزارة التجارة والصناعة اتفاقية مع الهيئة العامة لرقابة الجودة في الصين، تستهدف حماية سوقنا المحلية من تدفق البضائع الاستهلاكية المقلدة والمغشوشة الصينية، التي سيظهر أثرها قويا، كون تلك السلع تشكل أكثر من الثلث في ميزان إجمالي السلع المقلدة والمغشوشة الواردة إلى بلادنا، ولا يزال الأمل معقودا على الوزارة النشيطة بسرعة استكمال توقيع اتفاقيات مشابهة مع بقية الدول الموردة لتلك السلع البائرة إلينا، وأن تصبح نافذة بكل جدية وحزم.

بقي الأهم؛ المواطن! ما الخيارات التي ستبقى لديه أمام تلك التحولات المشار إليها أعلاه؟ التحولات التي ستتضمن: (1) إحلال السلع الأصلية محل السلع المقلدة والمغشوشة، التي ستقتضي منه دفع أثمان أعلى للأولى مقارنة بالثانية، والحديث هنا عن ارتفاع في الأسعار لن يكون على الإطلاق بالهين على الدخل الثابت للمواطن. (2) احتمال أن ينتهز عديد من التجار مرحلة التحولات أعلاه، فيقوم برفع أسعار السلع الأصلية للتضييق على المواطنين والمقيمين، سواء لتعويض تكاليف التزامه القسري بالأنظمة والمواصفات الجديدة، أو للضغط على المستهلكين من أجل تصريف ما لديه من مخزون السلع المقلدة والمغشوشة، والمستهلك في كل الأحوال سيكون محدود الخيارات أمام هذا الاحتمال، إذا لم تتدخل الأجهزة المعنية. (3) أن يتزامن مع تلك التحولات اللازمة تحرك جاد يلغي كثيرا من أوجه الاحتكار وتشدد الوكلاء التجاريين، بفتح المنافسة وفك قبضة التحكم في السلع والخدمات من قبل التجار المتورطين، بما يسمح بتوافر السلع الأصلية في السوق المحلية، بالصورة التي تحد من تضخم أسعارها دون مبرر مشروع.

تشير الصورة في المجمل إلى أن موجة من ارتفاع الأسعار “التضخم” ستصاحب تلك التحولات، شاء البعض أم لم يشأ، ويكفي القول إن مجرد الفرق بين أسعار السلع الأصلية والأخرى المقلدة والمغشوشة، سيكون وحده كفيلا بتحقق هذا التوقع. لذا سيكون من الضرورة القصوى والعاجلة، التفكير في الخيارات المتاحة تجاه رفع مستوى أجور المواطنين لمقابلة تلك الاحتمالات، مع أهمية إدراك أن فاتورة رفع أجور المواطنين في هذا السياق، ستكون أدنى من الوفر الذي سيتحقق للاقتصاد الوطني نتيجة تخليصه من السلع المقلدة والمغشوشة، وما تخلفه وراءها من كوارث بيئية وصحية وأمنية ومادية، وهو الأمر الإيجابي الذي يجب ألا يغيب عن رؤية الأجهزة المعنية. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.