كشف حساب القطاع الخاص «2»

أستكمل الحديث عن القطاع الخاص، الذي يواجه خلال المرحلة الراهنة تحولات هيكلية وجذرية، أساسها تحولات هيكلية أكبر حجما يخضع لها الاقتصاد الوطني بأكمله، ولا تقف تلك التحولات حصرا عند القطاع الخاص. القطاع الذي يأمل ملاكه وتجاره أن تمضي تلك التحولات الجذرية على الجميع، إلا شركاتهم ومؤسساتهم! بل ارتفع سقف مطالب القوم إلى ضرورة زيادة الدعم والتحفيز، دون النظر حتى إلى الآثار السلبية المحتملة على منظومة عمل تنفيذ برامج الإصلاح والتطوير الأخرى، إذا هرولنا خلف تلك المطالب إرضاء وتلبية لها دون قيد أو شرط.
الخلاصة فيما ينشده ويأمله تجار وملاك منشآت القطاع الخاص؛ أن تطبق “رؤية 2030″ بكل ما تتضمنه من برامج وسياسات على الجميع “أجهزة حكومية، أفراد مجتمع، بقية المؤسسات”، وفي الوقت ذاته تستثنى منشآت القطاع الخاص من تلك الالتزامات! والسبب الرئيس وراء كل ذلك، يكمن على حد تصريحات أرباب القطاع الخاص، في أن القطاع يعول عليه تحمل مسؤولية تحقيق النمو للاقتصاد الوطني، وزيادة مساهمته في توطيد الاستقرار المالي والاقتصادي، وأنه دون استمرار تلك العناية الحكومية “الاستثنائية” لن يتمكن من توفير الوظائف أمام المواطنين والمواطنات، إضافة إلى بقية المهام والمسؤوليات التنموية الملقاة على عاتقه.

مربط الفرس هنا؛ هل الطريق إلى أن يتولى القطاع الخاص تحقيق هذه الأهداف التنموية المأمولة، لا يوجد إلا عبر هذا الطريق المكلف؟ أم أنه توجد طرق أخرى؟ تقوم تلك الطرق الأخرى على ضرورة تبني خيارات بديلة من قبل منشآت القطاع، تبدأ من تحسين وتطوير القدرة الإنتاجية، وزيادة الاعتماد على العمالة الوطنية، والشراكة مع الحكومة ليس فقط في مجال استقبال تدفقات العقود والمناقصات، بل أيضا في مجال رفع قدرات ومهارات وتدريب العمالة الوطنية، والاستثمار طويل الأجل فيها.

لقد حظي القطاع الخاص طوال أكثر من نصف قرن مضى بعناية حكومية فائقة، ومكلفة ماديا واقتصاديا في الوقت ذاته، تركزت تلك العناية الفائقة لاحقا على الكيانات العتيقة بدرجة أعلى من غيرها من بقية المنشآت، بل حتى إنها لم ولا تقارن مع تلك الكيانات الصغيرة والمتوسطة حديثة النشأة. بل إن اللافت في هذا السياق؛ أن الكيانات الكبرى والعملاقة في القطاع الخاص، استساغت استمداد نموها وتوسعها من رحيق الدعم والتحفيز الحكومي، وعوضا عن تدوير أرباحها الهائلة جدا في اتجاه رفع كفاءة إنتاجها، ورفع مساهمة العمالة الوطنية وتدريبها واستدامة توظيفها، وزيادة تنافسيتها محليا وخارجيا، وزيادة استقلاليتها عن الدعم الحكومي. أقول عوضا عن كل ذلك؛ زادت توغلها في الاستئثار بأكبر قدر ممكن من الدعم والتحفيز الحكومي، بدءا من قروض صناديق التنمية الحكومية، مرورا بالسيطرة على أغلب العقود والمناقصات الحكومية، وانتهاء بمزايا انخفاض فواتير استهلاك موارد الطاقة والمياه، التي وصل إجمالي قيمتها خلال آخر 30 عاما “1987 ــ 2016″ إلى نحو 5.5 تريليون ريال “15.2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي”، توزعت على النحو الآتي: نحو 82.2 مليار ريال تشكلت من مجموع ما تم تقديمه كقروض للقطاع من صندوق التنمية الصناعية طوال الفترة، نحو 160 مليار ريال تشكلت من مجموع ما تم تقديمه كقروض للقطاع من صندوق الاستثمارات العامة طوال الفترة، نحو 3.0 تريليونات ريال تشكلت من مجموع المصروفات الحكومية الرأسمالية طوال الفترة، أعلى من 2.2 تريليون ريال مثلت نصيب القطاع طوال الفترة من الدعم والتحفيز الحكومي بجانب استهلاك النفط والغاز والكهرباء. هذا عدا العديد من جوانب الدعم الأخرى؛ كالمنح المجانية للأراضي بمساحات شاسعة لكثير من كبرى كيانات القطاع، والدعم المستمر لصادرات القطاع في الأسواق الخارجية.

تمثل الاستجابة العمياء لمطالب استمرار الدعم والتحفيز الحكومي بهذه التكلفة الباهظة جدا، ودون التفرقة بين كيانات مضى على تأسيسها عقود زمنية طويلة، وكيانات أخرى حديثة النشأة لم تحظ حتى بـ 1 في المليون من سيل ذلك الدعم الحكومي، أقول إنها تمثل فعليا انتحارا اقتصاديا وماليا لا مجال للشك فيه! وتمثل أيضا تهديدا بالغ الخطورة لمشروع أهداف الـ “رؤية 2030″. نعم يجب انتشال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مما تعانيه من وعثاء وصعوبات، كونها تعاني أولا عدم القدرة على منافسة تلك الكيانات العملاقة، وتعاني ثانيا السيطرة المفرطة للعمالة الوافدة على الأسواق المحلية التي تمارس نشاطها فيها، وتعاني ثالثا الصعوبة الكأداء لتمويلها، ولهذا جاء كل من حصتها في السوق المحلية، ومساهمتها في الاقتصاد الوطني، وحصتها من التمويل المحلي، متدنية جميعها دون استثناء.

وليكتمل ميزان “ماذا أخذت؟ وماذا قدمت؟”، تبين الإحصاءات الرسمية على مستوى التوظيف، أن القطاع الخاص استقدم عمالة وافدة خلال الفترة 2000 ــ 2015 أعلى من 16.1 مليون عامل وافد، ويعمل لديه حتى نهاية 2016 نحو 8.6 مليون عامل وافد، في المقابل لا يتجاوز عدد العاملين السعوديين لديه للعام نفسه سقف 1.7 مليون عامل سعودي، أي بنسبة توطين لا تتجاوز 16.3 في المائة! أما على مستوى صادرات القطاع، فعلى افتراض أن أغلب الصادرات غير النفطية مصدرها القطاع الخاص، فلم تتجاوز نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي طوال فترة 30 عاما الماضية 7.8 في المائة، فيما بلغ مجموعها طوال تلك الفترة 2.2 تريليون ريال، أي نحو 40.2 في المائة فقط من إجمالي فاتورة الدعم والتحفيز الحكومي للفترة نفسها! لن أطيل هنا في تفاصيل ميزان ماذا أخذت؟ وماذا قدمت؟ بالنسبة للقطاع، نظرا لضيق المساحة، ذلك أن جميع نتائج المقارنة تؤكد أن ما أخذ أكبر بكثير مما قدم، وإن تطلّب الأمر لاحقا إفراده بمقال كامل، فلا يمنع ذلك.

أؤكد كل التأكيد، أن كل ما تقدم ذكره باختصار ليس الهدف منه على الإطلاق محاربة منشآت القطاع الخاص، كونها تظل جزءا مهما من مكونات اقتصادنا الوطني، إنما الأمر ينصب في اتجاه استراتيجي بالغ الأهمية. إننا نتجه إلى تحرير الاقتصاد بأكمله، ونتجه وفق رؤية مستقبلية جديدة، تتطلب التخلي تماما عن أثقال تسببت في تعطيل وتأخير تقدمنا التنموي، عدا ما تسببت فيه من سيطرة الكثير من التشوهات (الاحتكار، الفساد، سيطرة العمالة الوافدة، ارتفاع معدل البطالة، تفاوت مستويات الدخل … إلخ)، وتتطلب أيضا منا التزام منهجية مختلفة تماما عما سبق العمل به طوال أكثر من نصف قرن من الزمن، بدأت بالاعتماد المفرط على النفط، وانتهت للنتيجة نفسها، إلا أنها في المحصلة الأخيرة؛ حملت إلينا تشوهات وتحديات لم يعد ممكنا التعايش معها، ولا حتى يمكن القبول باستدامتها. جوانب عديدة ومتشعبة، تحمل أهمية قصوى سيأتي الحديث عنها مستقبلا في المقالات المقبلة بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.