كشف حساب القطاع الخاص «3»

تلخّص الجزءان السابقان من سلسلة “كشف حساب القطاع الخاص”، في أن الضغوط التي بدأت منشآت القطاع الخاص تواجهها خلال العامين الأخيرين، نتيجة تراجع أسعار النفط، وترشيد الإنفاق الحكومي خاصة الجانب الرأسمالي منه، وبدأت الدولة في تطبيق سياسات رفع الدعم والتحفيز الحكومي على استهلاك موارد الطاقة والمياه، قابلتها حالة واسعة جدا من عدم تقبل تلك المنشآت للتطورات الأخيرة، أو بمعنى أدق عدم قدرتها على التكيف معها، وترتب عليها بدء منشآت القطاع الخاص في تقليص تكاليفها التشغيلية، وتحديدا بند توظيف العمالة الوطنية من خلال إنهائها عقود الآلاف من المواطنين والمواطنات العاملين فيها، في الوقت ذاته الذي لم تقم فيه بالإجراءات نفسها مع العمالة الوافدة، بل على العكس تماما، زادت من استقدامها وتوظيفها.
وصولا إلى التعارض التام بين أن يعتمد الاقتصاد الوطني على القطاع الخاص في تعزيز نموه واستقراره وفي التوظيف، كهدف استراتيجي طال البحث عن تحقيقه لنصف قرن من الزمن، وبين أن تستمر الحكومة دون قيد أو شرط في تغذية القطاع الخاص بالدعم والتحفيز “وصل إجمالي الدعم والتحفيز خلال آخر 30 عاما إلى 5.5 تريليون ريال، أي 15.2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي”، وهو المطلب الذي تلح كبريات منشآت القطاع الخاص عليه أكثر من غيرها من المنشآت الصغرى والمتوسطة، التي تظل هي الأكبر حاجة إلى الدعم مقارنةً بكبريات المنشآت! وهنا يطرح السؤال الأهم: من يقوم فعليا بدعم وتحفيز الآخر، الحكومة أم الاقتصاد؟ وأين دور القطاع الخاص في هذه العلاقة؟ ستجد أن القطاع الخاص كان الكاسب الأكبر للدعم المكلف ماديا من الحكومة للاقتصاد الوطني، وفي الوقت ذاته جاء القطاع نفسه كآخر المفيدين للنمو والتنمية والاستقرار الاقتصادي، سواء على مستوى القيمة المضافة، أو على مستوى تنويع قاعدة الإنتاج، أو على مستوى توظيف العمالة الوطنية، أو على مستوى دعم الإيرادات الحكومية.

الخلاصة من كل ذلك:
(1) أن القطاع الخاص لدى أغلب منشآته الكبرى أخذ أكثر بكثيرٍ مما قدم أو أعطى طوال نصف قرنٍ مضى.
(2) أن الكيانات الصغرى والمتوسطة منه طحنت تحت ضعف المنافسة مع كبريات المنشآت، وسيطرة العمالة الوافدة على الأسواق التي تعمل فيها.
(3) أن ما نحاول جميعا تجاوزه طوال تلك الفترة من توسع الاحتكار بأشكاله كافة، وارتفاع معدل البطالة، وتفاوت مستويات الدخل بين الأفراد، وسيطرة مفرطة للعمالة الوافدة على فرص العمل، وتفاقم أشكال الفساد، وارتفاع فواتير الهدر الحكومي، وتأخرٍ شديد في تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وغيره كثير من التحديات التنموية المحلية، عوضا عن أن نتجاوزها تحت ما يطالب القطاع الخاص باستمرار سياساته وبرامجه “دعم حكومي لا نهاية له”، وجدنا أننا نغوص في ورطاتها عاما بعد عام طوال نصف قرن مضى!

حينما حزمت الدولة – أيدها الله – أمرها على الخروج من هذه الحلقة المفرغة تنمويا، متجهة إلى إعادة ترتيب مقدرات الاقتصاد الوطني وموارده المتاحة على ما يجب أن تكون، ولتحقيق الأهداف التنموية المرسومة منذ خمسة عقود، التي لا يقارن ما تحقق منها على أرض الواقع بما لم يتحقق وظل حبرا على ورق، تؤكد أوضاعنا الراهنة المحملة بكثير من التشوهات والتحديات والمخاطر، أن تحقيق هذا الخيار الاستراتيجي لا مجال على الإطلاق للتراجع أو التأخر عنه، وأن السياسات والبرامج تحت مظلة “رؤية 2030″ لا بد أن تأخذ طريقها إلى التنفيذ مهما كلف الأمر، علما أن تكلفة تحقيق أهداف “رؤية 2030″ مهما بلغت، فإنها لم ولن تقارن بفاتورة الهدر الباهظة التي كابدناها طوال 30 عاما مضت بنحو 5.5 تريليون ريال، ذهبت إلى كبرى منشآت القطاع الخاص دون أن نلمس منها مردودا حقيقيا يوازي تلك الفاتورة على المستويات كافة.

إنما يجب الأخذ في الاعتبار عددا من الجوانب المهمة جدا، ونحن نسير في طريق عزم الأمر على تنفيذه. من تلك الجوانب المهمة على سبيل المثال لا الحصر:

(1) الضرورة القصوى للعناية بالمنشآت الصغرى والمتوسطة في القطاع الخاص، والاهتمام بتعزيز فرصها وخياراتها، وتشجيعها على النمو والتوسع، وحمايتها من نتائج غياب المنافسة مع كبريات المنشآت، وزيادة سيطرة العمالة الوافدة المتستر عليها، وهو الخيار الاستراتيجي الواجب وضعه في مقدمة أولويات برامج “رؤية 2030″، لما له من إيجابيات بالغة الأهمية على المستويات كافة، بدءا من زيادة تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، مرورا بتوفير كثير من فرص الاستثمار والعمل أمام المواطنين والمواطنات، وهو الأمر الواجب على الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة “منشآت” الاندفاع نحو تحقيقه بجهودٍ أكبر وأسرع.

(2) الضرورة القصوى لاحتواء أي آثار عكسية محتملة لتنفيذ برامج التحول على معيشة المواطن وأسرته، سواء من باب الارتفاع المحتمل على تكلفة المعيشة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو في حال فقدانه عمله ومصدر دخله الثابت من القطاع الخاص، وهو الأمر الذي يتجاوز بكل تأكيد قدرة ودور حساب المواطن وفق صيغته المعلنة حتى تاريخه، ما يقتضي بدوره إما توسيع أدوار ومهام إدارة حساب المواطن، وهو الخيار الأفضل والأقل تكلفة في ظل الظروف الراهنة، أو وضع برامج أخرى مساندة تتولاها الأجهزة ذات العلاقة، تستهدف تقديم العون للمواطن وأسرته ماديا واجتماعيا، وهو الخيار الذي لا تقارن فعاليته وجدواه بالخيار السابق “تولي إدارة حساب المواطن هذه المهمة”. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.