تعزيز الصندوق العقاري والميزانية برسوم الأراضي

كانت مبررة جدا ردة الفعل الغاضبة لمتضرري صندوق التنمية العقارية من قرار تحويلهم للمصارف التجارية، بعد انتظارهم سنوات طويلة جدا، استقطعت فترة الانتظار الطويلة تلك ما لا يستهان به من أعمارهم، خاصة أولئك الذين لم يبق لهم الكثير من سنوات الخدمة حتى اقتربوا من سن التقاعد.

زاد من سخونة ردة الفعل تلك، التصريح الذي صدر قبل أمس عن المتحدث الرسمي في صندوق التنمية العقارية: “أن تحويل المواطنين ممن أعطوا مهلة حتى 1439هـ لتسلم قروضهم إلى المصارف، جاء بسبب ضعف الموارد المالية لدى الصندوق”. وذلك لعدة أسباب جوهرية، الأول: أن الأمر يتعلق بسنوات انتظار لا مجال على الإطلاق لتعويضها، استغرقت وذهبت إلى غير عودة من قبل مئات الآلاف من المواطنين والمواطنات، تحملوا خلالها أعباء معيشية هائلة وتكلفة إيجارات باهظة جدا، دفعهم إلى تحمل كل تلك المشاق والمصاعب، أمل طال انتظار تحققه بوفاء الصندوق بوعوده السابقة، إلا أنها تلاشت اليوم تماما، ليجدوا أنفسهم بعد طول تلك السنوات الشاقة وجها لوجه أمام بوابات المصارف التجارية، وتحت ضوابط تمويل تفوق كثيرا قدرتهم ومستويات دخلهم المحدود.

السبب الثاني: أن الصندوق ووزارة الإسكان يمتلكان خيارات هائلة لتعزيز موارد الصندوق، ونقلها من الضعف الذي يعانيه إلى أقوى وضع لها في تاريخ الصندوق، من تلك الخيارات خيار متاح الآن لن يكلف ميزانية الدولة ريالا واحدا، بل على العكس تماما سيسهم هذا الخيار إضافة إلى قدرته الهائلة على رفع موارد الصندوق، أؤكد أنه سيسهم أيضا في زيادة التدفقات المالية الداخلة على بند الإيرادات الحكومية الأخرى غير النفطية، كما سيسهم بالتزامن مع تحقق تلك المزايا المالية الممتازة في حل أزمة تملك المساكن في بلادنا، لما سيترتب عليه من آثار إيجابية تتعلق بخفض أسعار الأراضي والعقارات وإيجاراتها المرتفعة لفترة طويلة، تؤهل الكثير من منتظري تملك أراضيهم أو مساكنهم من المواطنين والمواطنات، لأن يحققوا ذلك الهدف بأدنى تكلفة، ودون تحمل أعباء قروض طائلة وباهظة لسنوات طويلة.

يتمحور هذا الخيار المتاح أمام وزارة الإسكان وصندوقها العقاري، في استثمار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وترجمته بشكل جاد وعملي يتجاوز المراحل التي ابتكرتها اللائحة التنفيذية للنظام، وتطبيقه بصورة أكثر فاعلية وصرامة، ليشمل جميع الأراضي السكنية غير المستعملة بالمملكة، وهي مساحات شاسعة جدا قدرتها وزارة الشؤون البلدية والقروية لعموم المناطق الإدارية الـ 13 في البلاد بنحو 27.6 مليار متر مربع، علما بأن إجمالي مساحات الأراضي بجميع أنواعها غير المستعملة داخل مدن ومحافظات تلك المناطق تجاوز 72.3 مليار متر. إلا أن التركيز سينصب هنا على الأراضي السكنية البالغ مساحتها الإجمالية نحو 27.6 مليار متر مربع، توزعت بين 8.5 مليار متر مربع كأراض مخططة، وأكثر من 19.1 مليار متر مربع كأراض غير مخططة.

يقوم الخيار المتاح أمام كل من وزارة الإسكان والصندوق، على الاستثمار الكامل لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وإخضاعها دون استثناء للنظام، وتحصيل الرسوم المقررة على ملاك تلك الأراضي البيضاء بموجب نصوص النظام، ومن ثم توزيع تلك المتحصلات المالية للرسوم حسب تخطيط تلك الأراضي (مخططة، غير مخططة)، وفق الآلية التالية: (1) الأراضي المخططة: تتوزع متحصلات الرسوم المقررة عليها بالتساوي بين الميزانية الحكومية وصندوق التنمية العقارية، بواقع 50 في المائة من متحصلات الرسوم لمصلحة كل طرف. (2) الأراضي غير المخططة: تتوزع متحصلات الرسوم المقررة عليها بتخصيص 90 في المائة منها لمصلحة الميزانية الحكومية، وتخصيص النسبة المتبقية 10 في المائة لمصلحة صندوق التنمية العقارية.

تبين التقديرات المتحفظة جدا لمتحصلات تلك الرسوم على الأراضي خلال أول عام إمكانية وصولها إلى نحو 166.2 مليار ريال (52.4 مليار ريال من الأراضي المخططة، 113.8 مليار ريال من الأراضي غير المخططة)، وأن تصل حصة صندوق التنمية العقارية وفق الآلية الموضحة أعلاه خلال أول عام مالي إلى 37.6 مليار ريال، مقابل 128.6 مليار ريال لمصلحة الميزانية الحكومية. كما سيستمر هذا الخيار في جدواه المالية الهائلة كأحد أكبر مصادر التمويل لكل من الميزانية والصندوق لفترة طويلة، وستظل تدفقاته المتناقصة عاما بعد عام رافدا ماليا قويا لا يمكن تجاهل أهميته، التي تبين التقديرات المتحفظة إمكانية وصول تدفقاته الإجمالية خلال الفترة 2017 ـــ 2030 إلى أعلى من 1.1 تريليون ريال (354.4 مليار ريال لمصلحة صندوق التنمية العقارية، 770.3 مليار ريال لمصلحة الميزانية الحكومية).

إنه أحد أفضل الخيارات المتاحة اليوم أمام الجميع، متجاوزا بعوائده المجزية جدا مجرد حل “نقص الموارد” الذي تعانيه كل من وزارة الإسكان وصندوقها العقاري، إلى أبعد من ذلك بكثير إلى توفير مصدر دخل مالي هائل لبند الإيرادات الأخرى في الميزانية الحكومية، موفرا لها مرونة أكبر في مواجهة التحديات الجسيمة الناتجة عن انخفاض الإيرادات النفطية، وفي تمويل جزء كبير من العجز المالي القائم خلال المرحلة الراهنة ومستقبلا في الميزانية، بل يتجاوز كل ذلك إلى تخفيف الضغوط المحتملة لزيادة الرسوم والضرائب على مجالات أخرى من النشاط الاقتصادي المحلي، الذي يعد منتجا ومفيدا للاقتصاد مقارنة بالأصول والثروات الطائلة المجمدة لعشرات السنين في أراض بيضاء، تسبب اكتنازها والاحتفاظ بها طوال الفترات الطويلة في نشوء الكثير من الأزمات التنموية محليا، وفي التضخم الكبير لتكاليف معيشة أفراد المجتمع، وتضخم تكاليف التشغيل على عموم منشآت القطاع الخاص، انتهت كل نتائجهما إلى تضخم شامل ومستمر لأسعار السلع والخدمات بأنواعها كافة، دع عنك ما تسببت فيه من تضخم هائل لأسعار الأراضي والعقارات وتكلفة الإيجارات، لم تكن أزمة عدم قدرة أغلب أفراد المجتمع على تملك أراضيهم ومساكنهم إلا إحدى نتائجها الوخيمة.

إننا نتطلع جميعا إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، ليتولى تفعيل هذا الخيار المتاح، وسرعة استثماره ماديا واقتصاديا، ليعود بالنفع الكبير بحول الله على مقدرات اقتصادنا ومجتمعنا، كونه المجلس الأكفأ والأسرع في معالجة وتحقيق الكثير من التطلعات والمشاريع، وقياسا على تجربته السابقة الثرية بالإنجازات غير المسبوقة، التي رغم قصرها زمنيا إلا أنها تمكنت من تحقيق وتنفيذ ما كان عصيا أو متأخرا على التنفيذ لعقود طويلة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.