إلى أين تتجه وزارة الإسكان؟

هل ظهر أي مؤشر حتى تاريخه يؤكد أو ينفي نجاح وزارة الإسكان وصندوقها العقاري في مواجهة أزمة تملك المساكن؟ ماذا تم حتى تاريخه بخصوص تطبيق نظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات؟ هل توافقت الجهود المبذولة على أرض الواقع لرسوم الأراضي مع مضمون نظامها؟ أم أن الجهود المأمولة في هذا الجانب لا تزال متأخرة إلى حد بعيد؟ نجد أن طرح السؤال الأخير أمر مشروع؛ كونه كان الغائب الأكبر عن إعلانات الوزارة الأخيرة.
هل يمكن تحقيق أي من وعود وزارة الإسكان بتسهيل تملك المواطنين لأراضيهم ومساكنهم، دون أن تنخفض الأسعار المتضخمة للأراضي والعقارات، التي تمثل أصل وأساس أزمة الإسكان في البلاد؟ ولماذا لم نر حتى تاريخه أي إشارة أو تصريح أو قرار أو إجراء من قريب أو بعيد من وزارة الإسكان حول موقفها تجاه التضخم الهائل لأسعار الأراضي والعقارات؟ ألم تسأل وزارة الإسكان نفسها ذات يوم؛ لماذا نشأت لدينا أزمة تملك أراض وعقارات، في الوقت ذاته الذي نجد عشرات الملايين من الأراضي معروضة للبيع دون وجود مشتر؟ ولماذا يوجد أكثر من 1.1 مليون وحدة سكنية شاغرة معروضة للبيع دون وجود مشتر؟ ألم تسأل ما السبب خلف هذا الجمود والركود الذي سيطر على السوق طوال ثلاث سنوات مضت؟

بناء على ما تقدم؛ هل يمكن الوثوق بأن تتمكن وزارة الإسكان من اجتياز أزمة الإسكان المحلية، في الوقت ذاته الذي لم نشهد أي تقدم على طريق نظام الرسوم على الأراضي بصورة شاملة وحازمة؟ هل ستنجح في تجاوز الأزمة دون انخفاض ملموس وحقيقي في القيم الباهظة الثمن للأراضي والعقارات؟

بعيدا عن مجادلة وزارة الإسكان حول تسميتها بالمنتجات السكنية؛ لقروض الإسكان المكلفة جدا على المستفيدين، أو الأراضي التي منحتها للمستفيدين في مناطق خالية تماما من الخدمات والبنى التحتية، وأن المنتج السكني مصطلح ضيق التعريف لا يمكن توسيعه بأي حال من الأحوال ليشمل تمويلا أو قرضا مصرفيا بفوائد، أو أرضا خالية من أي بناء. بعيدا عن كل ذلك الجدال؛ ستجد وزارة الإسكان نفسها في مأزق حقيقي منذ اللحظة، وليس بعد عام أو عامين أو أكثر! وستجد أن أزمة الإسكان أو أزمة عدم قدرة الأفراد على تملك مساكنهم أو أراضيهم أكبر مما هي عليه اليوم، والسبب في كل ذلك بسيط جدا وواضح كالشمس في كبد السماء، أن أساس وأصل الأزمة لم تلمسه يد المعالج كما ينبغي أن تعالجه! وقبل أن تجد وزارة الإسكان نفسها في مواجهة هذا المأزق التنموي الكبير؛ سيكون الاقتصاد والمجتمع في مواجهة هذا المنعطف الصعب، الذي لو وجد علاجا حقيقيا لسببه الأول والأخير، لما وصل إلى ما وصل إليه من استعصاء غريب ولافت للجميع!

أمام محدودية الدخل الحقيقي لأغلب الأفراد وارتفاع حجم المديونيات المصرفية عليهم، هل تتوقع وزارة الإسكان أن ترى اندفاعا من المستفيدين المعلن عن قبولهم أو حتى من المصارف الممولة نحو زيادة الاقتراض العقاري؟ وكيف لمن منح أرضا خارج حدود المعمورة أن يقوم ببنائها وتطويرها؟ وأين التمويل اللازم للقيام بذلك؟ وما الخطط البديلة لدى وزارة الإسكان إذا اكتشفت بعد نحو العام من تاريخ اليوم، أن المتحقق من خطة توزيع 280 ألف منتج سكني لم يتجاوز سقف توزيعها للفلل أو الشقق السكنية؟ وأن منتجات التمويل والأراضي وقفت عند خط إعلانها الأول، فلم يتمكن أغلب المستفيدين من التمويل العقاري من تسلّمه، إما لتعثرهم المصرفي أو لارتفاع أسعار الأراضي والعقارات أكثر من التمويل أو لمحدودية دخل أولئك المستفيدين، أيضا لم يتمكن أغلب المستفيدين من منح الأراضي من بنائها وتشييدها، إما لبعد تلك الأرض الممنوحة عن العمران والخدمات، أو لنقص التمويل اللازم للبناء.

على وزارة الإسكان أن تعيد بناء أولوياتها وأهدافها تجاه أزمة الإسكان ذات الأسباب المفتعلة من الأصل، وأن تتدارك الموقف على وجه السرعة قبل أن يتفاقم أكبر مما وصل إليه، وإليها بعض تلك الإجراءات التي ستفيد في هذا الاتجاه:

(1) أن تسرع كما يجب إجراءات تطبيق نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وصولا إلى تحقيق الهدف النهائي من إقرار الدولة لها، المتمثل في محاربة احتكار الأراضي ولخفض أسعارها المتضخمة جدا، الذي في حال تحققه على أرض الواقع؛ سيجد أصحاب الدخل المرتفع أو المتوسط المرتفع قادرين على شراء الأراضي وتطويرها أو شراء المساكن، والاستفادة من التمويل العقاري المتاح من المصارف ومؤسسات التمويل، نظرا لانخفاض الأسعار المتضخمة، وفي المقابل تحمل أعباء تمويل عقاري أقل حجما وكلفة، مقارنة بالوضع الراهن المستعصي على الأطراف كافة “الممولين، المستفيدين”.

(2) أن تعيد وزارة الإسكان لصندوق التنمية العقارية دوره السابق، للقيام بمنح القروض العقارية لمن قام بشراء أرض أو مسكن عن طريق الاقتراض المصرفي، وفق ترتيب المتقدمين المسجلين لديه. هذا الإجراء سيؤدي إلى التسهيل على مالكي أراضيهم بالبناء والاستفادة من تمويل الصندوق، وسيؤدي بالنسبة لمن اشترى مسكنه عن طريق الاقتراض المصرفي لقدرته على السداد المبكر للمصرف، وهو ما سيتيح مرونة أكبر للمصرف أو مؤسسة التمويل لإعادة إقراض وتمويل الشرائح الأعلى دخلا المشار إليها في الإجراء الأول أعلاه.

(3) ستؤدي الخطوتان السابقتان أعلاه عدا انخفاض أسعار الأراضي والعقارات، إلى تنشيط السوق العقارية المحلية بصورة أكبر، ويخرجها من حالة الركود القوية التي تخضع لها في الوقت الراهن، وسيحفز الكثير من شركات التطوير العقاري نحو ضخ مزيد من الاستثمارات بعد زوال تضخم الأسعار والكثير من مخاطر الاستثمار العقاري.

(4) عدم تدخل وزارة الإسكان أو صندوقها العقاري في تعاقدات التمويل العقاري، وهو الأمر المخالف الذي أوقعت نفسها في ورطته كما هو ظاهر الآن، وترك تلك التعاقدات التمويلية لقوى السوق الحرة! ولعل السؤال الحاضر هنا والمحرج جدا لوزارة الإسكان: لماذا وجدت نفسها ملزمة بالتدخل في تلك التعاقدات التمويلية بين المستفيدين المنتظرين لتملك المساكن والمصارف ومؤسسات التمويل، بينما لم تجد نفسها ملزمة بالتعاقدات التمويلية بين شركات التطوير العقاري والممولين؟

النصيحة الأخيرة والمكررة لوزارة الإسكان، أن السبب الحقيقي وراء وجود الأزمة الإسكانية المحلية أصبح معلوما وواضحا لدى الجميع “تضخم أسعار الأراضي والعقارات”، وأن أية حلول مهما بلغ عددها وحجمها دون معالجة هذا السبب الأهم والأول والأخير، فإن النتيجة النهائية هي الاصطدام بجدار عدم الإنجاز، وعدم تجاوز الأزمة الإسكانية، بل الأدهى والأمر أن الأزمة ستتجاوزنا جميعا إلى ما هو أكبر وأخطر من كل ما وصلت إليه، فهل من مستمع أو مجيب في وزارة الإسكان؟! والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.