أخيرا .. آفة التستر التجاري إلى حتفها الأخير

قد لا يدرك الكثيرون؛ أن التستر التجاري كان إحدى أخطر الآفات التي أصابت اقتصادنا الوطني بالكثير والخطير من الآثار السلبية، شكَّل اتساعه وتعمقه كاقتصاد ظل، واحدا من أكبر التحديات الاقتصادية المحلية طوال أكثر من عقدين من الزمن، بل لقد وصفته أدبيات الاقتصاد المعاصر بسرطان الاقتصادات، الذي استمد ويستمد حياته من نهش خيرات وموارد أي اقتصاد يستوطنه، ممتصا عافيته إلى أبعد الحدود في غياب أو ضعف أدوات الرقابة والسيطرة عليه، وتحت ترهل السياسات الاقتصادية واهتراء الإجراءات المحاربة لمختلف نشاطاته.

نتطلع جميعا إلى أن يلقى حتفه أخيرا بعد إقرار منظومة التجارة والاستثمار منتصف الأسبوع الجاري ستة إجراءات لمكافحته، التي جاءت ضمن مبادرة “البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري”، الهادفة إلى القضاء عليه، خاصة أنه كان أحد أقوى الأسباب التي تقف خلف: (1) حرمان مقدرات الاقتصاد الوطني من إيجاد الوظائف للمواطنين، وتسببها في زيادة معدلات البطالة. (2) زيادة التسرب الاقتصادي والمالي للخارج، عدا أنها تعتبر من أخطر مهددات معايير الجودة، ومستوى الإنتاجية داخل الاقتصاد، ومن ثم إضعاف النمو الاقتصادي وزعزعة مستويات التنمية. (3) تفاقم دورها الأشد ضررا تجاه محاربة رؤوس الأموال الوطنية وتحديدا الصغيرة والمتوسطة منها، وتضييق الخناق على المدخرات الوطنية، وتقليص الفرص والمجالات الاستثمارية المتاحة والمطلوبة لتتحول إلى استثمارات يتم توظيفها في خدمة الاقتصاد والوطن. (4) زيادة معدلات الفقر بين أفراد المجتمع بسبب انعدام التوظيف. (5) زيادة نشاطات اقتصاد الظل “عمليات التستر التجاري” وما يتبعها بالضرورة من تفاقم أشكال الغش والتدليس، وامتداد أخطارها الكبيرة إلى ما يهدد مختلف جوانب الصحة والبيئة. (6) هذا عدا آثاره الاجتماعية الأخرى السلبية، حينما تتحقق الآثار الاقتصادية والمالية السلبية السالفة الذكر، فلا شك أنه يتبعها كثير من الآثار السلبية اجتماعيا! فماذا سيتبع انعدام فرص الاستثمار، وفرص العمل، التي ستسهم في رفع مستوى دخل المواطن غير أن تتسع دوائر البطالة والفقر، وما يتبعهما من أخطار أمنية واجتماعية لا يعلم آثارها المدمرة إلا الله.

إن اكتشاف وزارة التجارة والاستثمار نحو 200 ألف حالة تستر حتى تاريخه، منها 86 ألف حالة وجدتها في قطاع المقاولات، ونحو 84 ألف حالة في قطاع التجزئة فقط، ليس إلا بدايات الفواجع التي ستضع الوزارة يدها عليها طوال الفترة القصيرة القادمة. لك أن تتخيل كم حجم الأموال الطائلة بمئات المليارات من الريالات التي وقفت خلف تلك الآفات المالية والاقتصادية، وكم حجم الأضرار والآثار السلبية المدمرة التي خلفتها بالتسبب في طرد ومحاربة المواطنين، سواء على مستوى حرمانهم من الاستثمار في تلك المجالات، أو على مستوى حرمانهم من توظيفهم وإيجاد مصدر دخل مجز، أو على مستوى حجم الأموال الطائلة التي تسربت إلى الخارج دون وجه مشروع.

ترتكز المبادرة الأخيرة لوزارة التجارة والاستثمار على اعتماد ستة إجراءات رئيسة: (1) مراقبة مصادر الأموال من خلال فرض فتح حسابات مصرفية للمنشأة التجارية. (2) ضرورة التعامل بالفواتير للتقليل من الحوالات الخارجية. (3) توفير معلومات دقيقة عن الممارسات التجارية المخالفة، ومعالجتها حسب كل قطاع، لمكافحة التستر وتحفيز الاستثمار. (4) رفع مستوى الخدمة المقدمة للمستهلك. (5) توحيد الجهود بين الجهات الحكومية في مجال مكافحة التستر التجاري. (6) توطين الوظائف وتوفير منافسة عادلة في القطاع التجاري لتكون السوق السعودية بيئة جاذبة للمستثمرين.

كما تضمنت المبادرة، العمل على تطوير وتحديث البنية التحتية للقطاعات، وإنشاء آلية للتمويل والحوافز لتطوير تجارة المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتجارة التجزئة، ودعم نظام الامتياز التجاري، التي ينظر إلى أن تسهم بدورها في رفع معدل النمو والتطوير في القطاعات المستهدفة، وللحد من ظاهرة التستر التجاري الكامنة فيها، وبما يؤدي إلى إيجاد فرص عمل كريمة للمواطنين، وإلى تحسين مستوى الخدمات ورفع جودة المنتجات بأفضل الأسعار التنافسية، ذات الشفافية الأعلى. هذا إضافة إلى استمرار التعاون والتنسيق بين الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، الذي يستهدف تطوير التعاملات غير النقدية، وتطوير الموارد البشرية، وفتح فرص وظيفية للسعوديين في مختلف القطاعات ودعم تأنيث الوظائف، ومعالجة حالات التستر الحالية، وأخيرا تنظيم ومعالجة ملكية غير السعوديين.

هذا بالتحديد ما كنا نفتقر إليه في إطار مواجهة آفة “التستر التجاري”، التي لأجل أن تتمتع بالقوة والفاعلية اللازمة، فلا بد أن تبدأ المحاربة من التعرف على تركزه والمواقع الأكثر احتمالا لوجوده داخل اقتصادنا الوطني، التي كشف عنها عديد من الدراسات والتقارير ونتائج كشف الأجهزة الحكومية لها، وأظهرت أنها تتركز في تجارة التجزئة والسلع الاستهلاكية التقليدية غير المعمرة، وعمليات التجارة المرتبطة ببيع الفواكه والخضراوات والسلع الزراعية، والمتاجرة بالذهب والأحجار الكريمة، وتجارة المواشي، وتجارة السلع المعمرة، وأنشطة البناء والتشييد، وقطاع الخدمات كالدعاية والإعلان، وقطاع الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية، وتسويق وبيع برامج الحاسب الآلي ونسخها بصور غير مشروعة، وفي أنشطة البقالات والمحال التجارية الصغيرة والمتوسطة كمحال الحلاقة والسباكة والصيانة الكهربائية والخياطة وغيرها من الأنشطة التجارية الفردية، التي لا تتطلب مهارات عالية. إن ما تقدم ذكره على سبيل المثال لا الحصر حول نشاطات اقتصاد الظل، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه متفش داخليا إلى أبعد مما نتصور، وأن حدود سيطرته تمتد عبر أرجاء المدن والقرى في بلادنا طولا وعرضا. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.