أيهما أكبر .. رسوم الإنتاج أم رسوم الأراضي؟

توسعا فيما تمت الإشارة إليه في المقال الأخير “عدالة توزيع تكاليف وعوائد تحول الاقتصاد“، الذي تحدث عن درجات تحمل تكاليف التحول الهيكلي للاقتصاد الوطني متجها إلى 2020، والعوائد المحتملة لبرامج التحول بين ثلاثة مكونات رئيسة: المكون الأول- الحكومة. المكون الثاني- القطاع الخاص، الذي ينقسم إلى جزأين، الجزء الأول ممثلا في الجانب المنتج والمشغل، والجزء الثاني ممثلا في الجانب المكتنز وملاك الأصول. المكون الثالث – المجتمع بكل ما يمثله من أسر وأفراد.

ويتركز الحديث هنا حول المكون الثاني “القطاع الخاص”، تحديدا المقارنة بين الأعباء المالية التي سيتحملها كل جزء من القطاع (الجانب المنتج والمشغل) و (الجانب المكتنز وملاك الأصول)، الذي اتضح في المقال السابق أن الجزء المنتج والمشغل سيتحمل نوعين من زيادة التكاليف. جاء النوع الأول: ممثلا في ارتفاع تكلفة استخدامه لموارد الطاقة والمياه، إضافة إلى تقلص نصيبه من الإنفاق الحكومي الرأسمالي وبرامج الدعم المتنوعة (صندوق الاستثمارات، صندوق التنمية الصناعية)، الذي تجاوزت فاتورته التراكمية الباهظة جدا سقف 5.5 تريليون ريال خلال فترة 1987 – 2016، وهو القسم الذي يحاول أرباب القطاع الخاص الإبقاء عليه أو زيادته، بما يتعارض تماما مع أسس وأهداف برامج التحول الاقتصادي المستهدف، وهي التكاليف التي لا مفر مطلقا للمنشآت والشركات المطبق عليها أن تتملص منه، رغم أعذارها الواهية التي حاولت الترويج لها قبل البدء في تطبيق تلك السياسات الهادفة لترشيدها، ومن ثم إلغاؤها تماما بحلول 2020، كونها أوجدت في الأغلب قطاعا خاصا خاملا إلى حد بعيد جدا. النوع الثاني: من زيادة التكاليف المرتقبة على منشآت القطاع الخاص، تلك المرتبطة بعمليات التشغيل والإنتاج (كرسوم العمالة الوافدة والبلدية إلخ)، وهي النوع الذي حملت وجهة نظر منشآت القطاع الخاص تجاهها الكثير من الوجاهة والأهمية، لما قد يترتب عليها من آثار سلبية على أداء القطاع الخاص، ومن ثم على مستوى أداء الاقتصاد الكلي.

مؤدى ما تقدم؛ أننا أمام نوعين من زيادة التكاليف على الجانب المنتج والمشغل في الاقتصاد، وأن التركيز على النوع الأول وعدم التراجع عن تنفيذه أمر لم يعد يقبل التأخير، بل إنه الإجراء الذي تأخر تطبيقه زمنا طويلا، نتج عنه من السلبيات ما لا يقارن عدده ولا وزنه على الإطلاق بأية إيجابيات قد يتذرع بها ملاك منشآت القطاع الخاص. أما بالنسبة للنوع الثاني (مربط الفرس)، فهي حزمة التكاليف التي يتطلب الأمر التركيز على إعادة دراستها وضرورة الحيطة والحذر من عدة أوجه حال إقرارها وتطبيقها على منشآت القطاع الخاص، درءا لانكماش نمو القطاع الخاص الذي يعول عليه بدرجة أكبر في قيادة الأداء الاقتصادي الكلي، ومنعا لتلاشي الكثير من منشآته (الصغيرة، المتوسطة)، أو التسبب في عدم تأسيس الكثير من المنشآت الإنتاجية والخدماتية، الذي لا شك أنه سيلقي بظلاله القاتمة على توافر وجدوى استغلال الكثير من فرص الاستثمار المحلية من قبل المستثمرين المواطنين.

أما بالنسبة للجزء الآخر من القطاع الخاص، المتمثل بالجانب المكتنز وملاك الأصول، الذي يعد الطرف الأثقل وزنا في دائرة القطاع الخاص، تحديدا ملاك الأراضي والمضاربين عليها وملاك العقارات المدرة، الذين على الرغم من أنهم شكلوا العقبة الأصعب والسبب الأول وراء أزمات الاحتكار والإسكان، وغلاء الأسعار وتضخم تكاليف الإنتاج والمعيشة على حد سواء، إلا أنه رغم كل ذلك كانوا الطرف الأقل تحملا للأعباء والتكاليف المالية اللازمة لتنفيذ برامج التحول الاقتصادي!

الذي انحصر العبء المالي الوحيد الذي تم إقراره على هذا الطرف ممثلا فقط في الرسوم على الأراضي، التي تم معها اتخاذ منهجية تطبيق مرنة جدا، ومتدرجة زمنيا إلى حدود تجاوزت حتى الموعد النهائي لتطبيق برنامج التحول 2020! وهو ما لا يمكن مقارنة تلك المنهجية المتدرجة والبطيئة التطبيق مع أية رسوم أخرى على أي من الأطراف الأخرى.

إن المقارنة هنا بين ما سيتم تحميله من تكاليف وأعباء مالية اقتضتها برامج التحول الهيكلي للاقتصاد الوطني، على كل من الجانب المنتج والمشغل من جهة، ومن جهة أخرى الجانب المكتنز والمالك للأصول (تحديدا ملاك الأراضي والعقارات)، سيكشف أننا أمام مفارقة كبيرة وخطيرة جدا، تتطلب على وجه السرعة العمل فورا على استدراكها قبل أن تتفاقم أخطارها وآثارها الوخيمة. فالجانب الأول المشغل والمنتج؛ هو الجانب الذي يعول عليه القيام بتوطيد الاستقرار الاقتصادي، واقتناص فرص الاستثمار المحلية وتوظيف الثروات الوطنية فيها، والعمل على تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، والعمل على إيجاد مئات الآلاف سنويا من فرص العمل المجدية أمام المواطنين والمواطنات، وكل هذه المهام الجسيمة مؤداها الإيجابي النهائي سينعكس بقيمه المضافة على الاقتصاد والمجتمع على حد سواء، ورغم ذلك سيجد القطاع الخاص (المنتج والمشغل) في طريقه كثيرا من الأعباء والتكاليف التي يجب عليه تجاوزها.

في المقابل؛ نجد أن الجانب الثاني ممثلا مكتنزي ومحتكري الأراضي والعقارات، لا عوائق تذكر تعترض طريق ممارسات الاستحواذ على مساحات شاسعة من الأراضي لعدة عقود من الزمن، سوى نسبة 2.5 في المائة الرسم السنوي على امتلاك تلك الأراضي، التي اتخذ تحصيلها طرقا متشعبة ومتدرجة واستثناءات لا مجال لحصرها هنا! على أن هذا الجانب لا ينتظر من استمرار اكتنازه لتلك الأرض أو ذلك العقار، أن يوفر فرصة عمل واحدة، أو أن يضيف أية قيمة مضافة على الأداء الاقتصادي! بل إن المنتظر منه مزيد من ارتفاع أسعار الأراضي والمساكن، وارتفاع إيجارات العقارات التي تنعكس آثارها سلبا على كل من تكلفة الإنتاج وتكلفة المعيشة!

إنها المفارقة الأشبه ببوابة الهروب الخطيرة، لتهرب الأموال والثروات الوطنية من العمل والإنتاج والتشغيل والتوظيف، قياسا على الأعباء والتكاليف الكبيرة التي تعترض طريقها، لتنضم مجبرة إلى المتاجرة والاكتناز والاحتكار في الأراضي والعقارات، كون التكاليف في تلك القنوات النائمة اقتصاديا لا تتجاوز 2.5 في المائة فقط، علما أن لديها فرص للنجاة وتجاوز تلك الأعباء أكثر، مقارنة بالمجال الأول المنتج والمشغل.

الإجابة عن السؤال: أيهما أكبر رسوم الإنتاج أم رسوم الأراضي؟! أصبحت واضحة جدا، فهل من تحرك جاد لسرعة تجاوز مخاطرها قبل وقوع عواقبها الوخيمة والخطيرة جدا؟ والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.