كفاءة إدارة المشاريع الحكومية

نقلت قبل يومين “بلومبيرج” خبرا عن تقدم ست شركات عالمية على الأقل للجهات الحكومية السعودية، سعيا منها للفوز بمناقصة إدارة مكتب المشاريع الحكومية، ضمن جهود وبرامج الحكومة الهادفة إلى ضبط وترشيد الإنفاق الحكومي، بمواجهة التراجع الراهن في مستويات الإيرادات النفطية. وحسبما ورد في تفاصيل الخبر؛ يتوقع أن يتم الإعلان عن الشركة الفائزة بالمناقصة خلال الأشهر القليلة القادمة، ستتولى على أثره الشركة المختارة مهام ومسؤوليات إدارة المكتب الجديد لإدارة المشاريع الحكومية لعدة سنوات قادمة، على أن يتم إعادته مرة أخرى إلى الحكومة.

بالنظر إلى القيمة الإجمالية لحجم المشاريع الحكومية التي تم اعتمادها خلال العقد الأخير 2005-2015 التي تجاوزت 2.2 تريليون ريال (بلغ عددها 28.2 ألف مشروع)، سنكتشف تماما الأهمية القصوى لجهود رفع كفاءة تنفيذ المشاريع التنموية، وتزداد أهميتها إذا ما ظهر أن حجم التعثر في تنفيذ تلك المشاريع آخذ في التوسع والانتشار، ليتسبب بدوره في تضخيم “الفجوة التنموية” التي تعني المنطقة الواقعة “الموارد المالية” المتاحة لدينا من جانب، ومن جانب آخر الاحتياجات المتنامية تنمويا للمجتمع على مستوى البنى التحتية والخدماتية.

وهو بالفعل ما تأكد بصورة رسمية حسب تصريح وزير الدولة محمد آل الشيخ أثناء إعلان موازنة الدولة لعام 2016، حينما ذكر أن المشاريع الحكومية المتعثرة، وصل عددها إلى 7200 مشروع حكومي متعثر، بقيمة إجمالية وصلت إلى نحو 1.0 تريليون ريال! أي ما نسبته 44.8 في المائة من القيمة الإجمالية للمشاريع الحكومية للفترة 2005-2015، وهي نسبة مرتفعة جدا قياسا على الاحتياجات التنموية المتنامية في بلادنا.

أتطلع كغيري من المواطنين والمواطنات إلى أن تثمر تلك الجهود عن تقدم حقيقي على هذا الطريق، وأن يؤخذ أكبر قدر ممكن من الأفكار والرؤى الهادفة لتحقيق هذا الهدف، ومنها ما سبق أن تم طرحه قبل عدة أعوام سابقة، حول أهمية تأسيس شركة مساهمة عملاقة جديدة، تتخصص في تنفيذ المشاريع الحكومية والتنموية، برأسمال وطني يصل إلى 40 مليار ريال. تتولى هذه الشركة مهام ومسؤوليات الإشراف والتصميم والمتابعة والرقابة والتقييم على المشاريع الحكومية كافة، وهي التجربة المعمول بها في عديد من البلدان حول العالم، وثبت نجاحها وفعاليتها بصورة كبيرة جدا (إمارة أبو ظبي، السويد على سبيل المثال).

يستهدف ضمن فكرة هذا المشروع؛ أن تتولى مباشرة الشركة المقترح تأسيسها هنا تنفيذ ما لا يتجاوز 10 في المائة من مجمل المشاريع الحكومية بصورة مباشرة، فيما تقوم الشركة بطرح النسبة المتبقية (90 في المائة) من العقود والمناقصات الحكومية على بقية الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص، وفق صيغ تعاقدية عالية الشفافية، تتولى الشركة بناء عليها متابعة ومراقبة مستويات الإنجاز والتنفيذ، والعمل على نشر تقارير الأداء دوريا وبصورة مستمرة.

ثم يمكن في مرحلة تالية؛ قيام الحكومة بطرح نسبة من ملكية تلك الشركة العملاقة للاكتتاب العام، وتخصيص ما بين 10 إلى 20 في المائة من رأسمالها لمصلحة شرائح المجتمع المسجلين في بيانات وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، وتقييد حرية التصرف (بيعا أو شراء) من قبل تلك الشرائح بموافقة الوزارة، لتستفيد تلك الشرائح من المجتمع ماديا من خلال التوزيعات النقدية الدورية التي ستدفعها لهم الشركة، فيما يتم طرح ما يمكن أن تصل نسبته 60 في المائة من رأس المال على بقية المؤسسات والشركات وأفراد المجتمع، وتكتفي الحكومة بملكية ما نسبته 20 في المائة من رأس المال.

هذه المعادلة أو الشراكة الاستثمارية ستحقق كثيرا من الأهداف التنموية والرقابية، وخاصة أن الدخل المتوقع أن تتحصل عليه يقدر ألا يقل سنويا عن 10 في المائة من قيمة المشاريع الحكومية (تقريبا 400 مليار ريال خلال عشر سنوات قادمة، بمعدل دخل سنوي تقريبي 40 مليار ريال، 80 في المائة منه سيدفع للجمهور)، وأن يشترط أن تضم هذه الشركة كوادر بشرية وطنية هندسية عالية التأهيل، بما سيقضي على أغلب الأسباب المؤدية لتعثر أو تأخر التنفيذ، وبما يقلص من ميزانية الجهات الحكومية المعتمدة لإدارات المشاريع (يفترض انتقال منسوبي كل الإدارات بالجهات الحكومية المختلفة إلى الشركة، مع منحهم الامتيازات المحفزة اللازمة).

إن تبني بلادنا فكرة مشروع بهذا النوع، لا شك أنه سيحدث نقطة فارقة بدرجة كبيرة جدا، وسيقضي بصورة فاعلة على كثير من المعوقات والمخاطر المتعلقة بالفساد المالي والإداري، إضافة إلى رفع جودة التنفيذ والالتزام. كما أنه يتفق تماما مع أهداف “رؤية المملكة 2030″ التي تتمحور حول رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج الإجمالي المحلي، وتنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني

إن من أبرز المهام والمسؤوليات المتوقع أن تقوم بها هذه الشركة: (1) تسلّم طلبات المشاريع المحددة من كل وزارة أو جهة حكومية بعد اعتمادها؛ على سبيل المثال (100 مستشفى من وزارة الصحة، 500 مدرسة من وزارة التربية والتعليم، وهكذا)، وذلك وفقا لمتطلبات تلك الجهات الحكومية. (2) تصميم واقتراح المشاريع وفق المتطلبات المحددة، وتقدير تكلفتها، ومن ثم عرضها بعد ذلك على الوزارة المعنية. بناء عليه ليس على أي جهة حكومية سوى أن تبين متطلباتها واحتياجاتها من المشاريع تحت مسؤوليتها، فيما تقع مسؤولية التصميم وتقدير التكاليف والتنفيذ والرقابة والمتابعة حسب الجدول الزمني المحدد على الشركة، التي ستستقطع مقابلها المادي من القيمة الإجمالية لتكاليف تنفيذ تلك المشاريع، وهو مصدر دخلها الرئيس. (3) تبدأ الشركة بعد موافقة الوزارة المستفيدة بطرح تلك المشاريع كمناقصات على القطاع الخاص، ممثلا في الشركات والمؤسسات المختصة، ووفقا لتصنيفاتها المعتمدة من الحكومة. كما يمكن للشركة أن تنفذ من المشاريع ما لا يتجاوز 10 في المائة من قيمة العقود الحكومية المعتمدة خلال العام المالي الجاري.

كما ستتولى الشركة التعاقد مع المقاول المناسب والمؤهل، وفقا لأعلى المعايير الهندسية والفنية اللازمة، والإشراف والمتابعة والرقابة لجميع الأعمال المنصوص عليها في العقد، وعند الانتهاء من تنفيذ المشروع تقوم بتسليمه للجهة الحكومية المعنية التي بدورها لن تتسلم المشروع إلا بعد أن تبدي هيئة المواصفات والمقاييس رأيها وقرارها المستقل، بتطابق المشروع بصورته النهائية مع المواصفات والمعايير التي تم بناء عليها إقرار المشروع. علما أن أي مدفوعات تدفعها الشركة للمقاول المنفذ تتم وفق الآلية نفسها بالتنسيق مع وزارة المالية، بدءا من الدفعة الأولى حتى الدفعة الأخيرة.

أرجو مجددا أن يحظى هذا المقترح المعاد طرحه لأكثر من مرة، باهتمام الجهات الحكومية المعنية، وأن تتم دراسته وبحثه بما يلبي تطلعاتنا جميعا، وأن يرى النور قريبا على أرض الواقع. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.