كيف نوجد الوظيفة للمواطن؟ وكيف نحميه؟

أصبح معلوما لدى الجميع، أن تحدي إيجاد “فرص عمل” للمواطنين والمواطنات في القطاع الخاص أمر زادت صعوبته أكثر مما سبق، وأن مخارج التوظيف الوهمي التي تشبعت بها سوق العمل المحلية طوال الفترة 2011 – 2016، قد انكشف أمرها، وانقطع سرابها، وأن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية تتأهب منذ مطلع العام الجاري لمواجهة وبالها عبر إجراءاتها وتوجهاتها الجديدة.

ليست الأزمة هنا، إنما تجاوزتها منذ عدة أعوامٍ مضت، وعلى الرغم من سطوع مؤشراتها على السطح الاقتصادي والاجتماعي المحلي، وتصاعد أوجاعها على رؤوس أبنائنا وبناتنا في أروقة منشآت القطاع الخاص، بدءا من انخفاض الراتب الشهري، مرورا بهامشية وظائفهم مقارنة بمنافسيهم الشرسين، ومرورا أيضا بما يتعرضون له من ممارساتٍ “تطفيشية” على الرغم من ضحالة تلك الوظائف الهامشية أحيانا والوهمية أحيانا أخرى، وصولا إلى تسريحهم من وظائفهم القديم منهم أو الجديد، بمباركةٍ من التعديلات الجديدة في نظام العمل الأخير، الذي فتح الأبواب على مصارعها أمام أرباب العمل ومن تحتهم من المديرين الوافدين، للتخلص من العاملين المواطنين متى شاؤوا وكيفما أرادوا.

إننا أمام طورٍ جديدٍ بالغ التعقيد على مستوى توطين الوظائف، ففي الوقت الذي تجاهد فيه الأجهزة الحكومية بالمشاركة مع القطاع الخاص من أجل توطين الوظائف، تجد أننا في زوايا أخرى؛ قد انكشفت خطوط المواجهة مع فواجع تنموية مريرة جدا! تطرقت وغيري من الكتاب إلى بعضٍ منها خلال الأسبوعين الماضيين في عدة مقالات.

اليوم قد تجد القطاع الخاص يوفر فرصة عملٍ ما براتب زهيد لمواطن أو مواطنة، لكن في الوقت ذاته؛ ستجد في مئات الآلاف من المواقع الوظيفية الأخرى، إما موظفين يمارس عليهم مديرهم الوافد ما لذ له وطاب من الممارسات العملية الهادفة إلى تهميشهم ثم تطفيشهم، وآخرين منهم يواجهون سنواتٍ طويلة جدا من حرمانهم من العلاوة السنوية في الرواتب، دع عنك ما يسمعون به ولا يرونه “المكافآت السنوية”، وصلوا إلى درجةٍ دنيا من وقع الحرمان إلى أنه لا أمل أبدا في الفوز بها! وآخرون من الموظفين المواطنين أصحاب التأهيل العالي والخدمة الطويلة والمناصب القيادية، تراهم في المرحلة الراهنة محاصرين من كل صوبٍ بقراراتٍ مفصلية، تستهدف الاستغناء عنهم وإنهاء عقودهم، وإحلالهم بمديرين وافدين، وهو فعلا ما أظهرته البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العمل، التي أظهرت وأثبتت ارتفاعا لافتا في سيطرة العمالة الوافدة على المناصب التنفيذية والقيادية في القطاع الخاص “الذكور”، حيث ارتفعت نسبة استحواذ العمالة الوافدة على تلك المستويات الوظيفية من 10.4 في المائة بنهاية 2010، إلى أن تجاوزت نسبة 39.3 في المائة بنهاية 2015، ويبدو أنها في الطريق للصعود بنسبٍ أكبر في المرحلة الراهنة ومستقبلا، خاصة بعد بدء تنفيذ مواد نظام العمل الجديد، الذي سهل كثيرا على قيادات القطاع الخاص إنهاء عقود العمالة الوطنية “على وجه الخصوص أصحاب الأجور المرتفعة”.

قد تبني جدارا واحدا هنا، لكن للأسف نرى جميعا أنه يتم هد عشرات الجدران في زوايا أخرى! تلك باختصار شديد حكاية توطين الوظائف في القطاع الخاص على وجه الخصوص، وتلك هي وعثاء السفر التي اتسع وثقل وزنها كثيرا على كاهل المواطنين والمواطنات في سوق العمل المحلية، يفرح البعض ببضعة أرقامٍ عن زيادة التوظيف الهامشي أو الوهمي، لكن هل يعلم بما يواجهه من ممارساتٍ تعسفية ورعناء مئات الآلاف من شبابنا وبناتنا وحتى القيادات الوطنية المؤهلة؟

إنه الحديث المر، عن الحقائق البالغة المرارة والغائبة، لكنه يتحول الآن ومستقبلا أثناء قراءتك لهذه الكلمات إلى ما هو أعقد وأصعب تنمويا واقتصاديا واجتماعيا، ولا بد من مواجهته بوطنية أولا وجدية وإخلاص ثانيا، ليس في الأمر خياراتٍ نتجاذب الحديث عن أيها نقدمه على الآخر، بل لا بد من تدشين الإجراءات العملية العاجلة والنافذة لمعالجة كل تلك الاختلالات والتشوهات.

كم هو لافت جدا أن ظاهرة الارتفاع السريع لاستحواذ العمالة الوافدة على أغلب المناصب القيادية والتنفيذية في القطاع الخاص، أتى أسرع خلال المرحلة الراهنة من مرحلة حراك التنمية في بداياتها، خاصة خلال الفترة 1975 ـــ 1980، التي كانت مبررة آنذاك قياسا على انخفاض المستوى التعليمي والتأهيلي للعمالة الوطنية. لكن ماذا يبررها في المرحلة الراهنة؟ بماذا يبرر أرباب العمل وكبار ملاك منشآت القطاع الخاص، هذا الزحف الهائل من العمالة الوافدة على أهم وأفضل فرص العمل لدى منشآتهم؟ بماذا يبرر أرباب العمل في القطاع الخاص منح السلطة كاملة لمديرين وتنفيذيين من خارج الحدود على حساب إخوتهم وأخواتهم المواطنين، رغم أن المواطنين كما أثبتت التجربة والبيانات الرسمية أعلى تأهيلا علميا، وأكفأ عمليا وإنتاجيا، وأدنى حتى من حيث الرواتب والحوافز المادية؟

من يا ترى لديه الإجابة عن ما سبق من بعض أسئلةٍ على سبيل المثال لا الحصر؟ ومن يا ترى لديه الإجابة الحقيقية على ما ينتظر اقتصادنا ومجتمعنا في المستقبل القريب، قياسا على هذه التطورات المتسارعة واللافتة جدا؟ ومن يا ترى سيكون على أهبة الاستعداد لاحتواء وامتصاص صدمات نتائجها وآثارها المريرة تنمويا واجتماعيا؟ نريد إجابة وطنية صادقة جادة يرحمكم الله. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.