المتقاعدون «ما يدرون من وين يلقونها»

ليس أصعب مرارة على المرء من أن يواجه التحديات الجسيمة لحياته، ثم لا يملك أمامها حتى خيارا واحدا، وتزداد تلك التحديات إن أتى طرف آخر متدخلا دون علم أو فهم لأوضاعه المعيشية، ليقدم حلولا عنوانها ومضمونها الإفلاس بعينه! فلا يعلم المرء هنا، هل يجاهد قدره أم يجاهد خصما لا صديقا له، ينوي مضاعفة آلامه وحسرته.

تلك باختصار قصة المتقاعدين بيننا، وآراء بعض أعضاء مجلس الشورى، الذين حتى المجلس بكيانه كاملا تنكر لتلك الآراء، وأنها لا تمثل رأي ووجهة نظر مجلس الشورى، وأنها لا تتعدى تمثيل رأي أولئك الأعضاء المنتسبين إليه.

في الوقت الذي كان ينتظر نحو 1.02 مليون متقاعد (التقاعد، التأمينات)، وفقا لإحصائهم بنهاية 2015، ينتظرون مخارج وحلولا للأوضاع المعيشية غير الجيدة التي يعايشونها هم وأسرهم، التي وفقا لتقرير جمعية المتقاعدين الذي تم استعراضه أمام جميع أعضاء مجلس الشورى قبل أقل من عام مضى، انتهى مآل نحو 70 في المائة من المتقاعدين لتقاضي معاشات تقاعدية لا تزيد على 2000 ريال شهريا، وإلى أن نحو 44 في المائة منهم لا يمتلك مسكنا. أقول أمام كل هذا؛ فوجئ الجميع وليس المتقاعدين فقط بمن يقترح عودتهم وهم في مرحلة المشيب من أعمارهم، للبحث عن فرص عمل في القطاع الخاص، والعمل من جديد لأجل تحسين ظروفهم المعيشية!

لا يعد مبالغة أبدا القول إن مقترحات كتلك، تتجاوز في صدمتها المفاجئة جميع الحدود، كونها تصدر من أفراد يفترض توافر الأهلية الكافية لديهم للبت في مختلف قضايا الوطن والمجتمع والاقتصاد، وهي صادمة فعلا هنا لأنها “غفلت” تماما عما نص عليه النظام الأساسي للحكم، وتحديدا ما ورد حرفيا في المادة السابعة والعشرين من النظام “تكفل الدولة حق المواطن وأسرته، في حالة الطوارئ، والمرض، والعجز، والشيخوخة، وتدعم نظام الضمان الاجتماعي، وتشجع المؤسسات والأفراد على الإسهام في الأعمال الخيرية”، وهو نص واضح وصريح جدا. أعتقد جازما لو أن ذلك العضو أو غيره قرأ مجرد قراءة تلك المادة من النظام فقط، لما تهور أبدا وأطلق تلك المقترحات المفلسة تماما!

وهي أيضا مقترحات صادمة لأنها “قفزت” كثيرا على الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي نتعامل معه خلال المرحلة الراهنة، الذي يتحمل عبء مئات الآلاف من العاطلين والعاطلات عن العمل من الشباب، ونواجه جميعا صعوبات كأداء في طريق توظيفهم، ومنحهم الفرصة اللازمة للمشاركة في التنمية وتقدم الاقتصاد الوطني، ليأتي من يقترح بتهميشهم وتركهم فريسة للبطالة، ويطالب في الوقت ذاته من أفنوا حياتهم عملا وكدحا في حياتهم قبل الشيب والهرم، ليعودوا للعمل مرة أخرى!

سبق التطرق كثيرا بالكتابة والحديث والنقاش حول هذا الملف التنموي الثقيل الوزن، والمتزايد ثقله عاما بعد عام، دون تقديم الحلول الكافية له بالسرعة اللازمة، وأجده مناسبا هنا التأكيد مرة أخرى على خلاصة تلك الحلول المأمولة في هذا الجانب، التي تبدأ من داخل أروقة مؤسستي التقاعد (التقاعد، التأمينات الاجتماعية)، وهي الحلول الممكنة التنفيذ، ويؤمل من خلالها ضمان استدامة واستقرار أداء مؤسستي التقاعد أولا، وأن تمنحهما بالدرجة الثانية مزيدا من القدرة على تحمل أعباء تحديات المرحلة الراهنة والمستقبلية، وبما يبعدها عن التورط في حلول وقتية قصيرة الأثر.

أولا: العمل على تغيير وتطوير آليات الاستثمار الراهنة لدى مؤسستي التقاعد والتأمينات، وهو المحور الذي يتطلب جهدا وخبرة أكبر بكثير مما هو متوافر لدى المؤسستين في الوقت الراهن، وكم هو لافت جدا إلى أن تكتشف ضمن المحفظة الاستثمارية للمؤسستين مخزونا هائلا من الأراضي غير المدرة لأية أرباح تعزز من التدفقات النقدية الداخلة (تقدر قيمتها السوقية بأسعار المرحلة الراهنة بأكثر من 1.0 تريليون ريال).

ثانيا: البدء في استقطاع مبالغ للتقاعد من منشآت القطاع الخاص على العمالة الوافدة لديها، تعادل تلك المبالغ المستقطعة على العمالة المواطنة، ويتركز الاستقطاع هنا على المنشآت دون خصمها على العمالة الوافدة، بمعنى أن تفرض الاستقطاعات على منشآت القطاع الخاص فقط، ويتم التدرج في تطبيق هذا الاقتراح بالبدء بالمنشآت الكبيرة فما فوقها، ولاحقا ببقية المنشآت. ويمتاز هذا الخيار بأنه عدا تعزيزه للتدفقات النقدية الداخلة على المؤسستين، سيؤدي إلى رفع تكلفة توظيف العمالة الوافدة، علما أن التدفقات المتوقعة منه وفقا لأعداد العمالة الوافدة اليوم، يقدر أن تتجاوز سقف 12.2 مليار ريال سنويا.

ثالثا: الدراسة الجادة لأثر دمج المؤسستين في جهاز واحد، ذلك أن المؤسسة العامة للتقاعد ستواجه مستقبلا صعوبات وتحديات أكبر مقارنة بالتأمينات، نتيجة لتقليص التوظيف في القطاع الحكومي، سيقابل زيادة أكبر في أعداد المتقاعدين. والعمل بعد الدمج على إخضاع الجهاز الجديد لمزيد من الرقابة والمساءلة وإجراءات الحوكمة.

رابعا: لأجل تصميم وبناء (حزام أمان تنموي) متين للمتقاعدين وأسرهم وورثة من توفي منهم، تستكمل الحلول هنا منطلقة من ضرورة أن تتدخل الدولة بوضع حلول سريعة تتحمل تكلفتها في البداية، والعمل لاحقا على تأهيل المؤسستين وبقية الأجهزة الحكومية للوفاء بها، وهو ما يمكن تمويله بكل يسر وسهولة من خلال تغيير آليات الاستثمار في كلتا المؤسستين، والعمل على تغيير أوزان الأصول الاستثمارية لدى محفظة كل مؤسسة، لعل من أهمها التخارج من الأراضي الشاسعة لديهما، وإحلالها بأصول استثمارية مدرة للدخل، ستعزز كثيرا من التدفقات النقدية الداخلة.

خامسا: يمكن اتخاذ الإجراءات التالية، التي تستهدف تحسين الأوضاع المعيشية للمتقاعدين، والخروج بها من المأزق التنموي المعقد الذي يعانيه المتقاعدين: (1) رفع الحد الأدنى لمعاش التقاعد إلى 8000 ريال شهريا (الحد الأدنى للمعيشة وفقا لدراسة مؤسسة الملك خالد الخيرية)، وربطه زمنيا بمعدلات التضخم. (2) إعفاء المتقاعدين وورثتهم من جميع رسوم الخدمات الباهظة عليهم. (3) أن تمنح خصومات امتيازية للمتقاعدين مقابل ارتفاع تكاليف السلع والخدمات الأساسية. (4) أن تتكفل الدولة بالتأمين الصحي على المتقاعدين وأسرهم، وورثة المتوفى منهم. (5) أن تتكفل الدولة بتأمين مساكن لمن لا يمتلكه منهم، والبدء بالورثة قبل المتقاعدين على قيد الحياة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.