الحاجة إلى قوة أكبر من وزارة العمل

أظهرت أحدث البيانات الصادرة أخيرا عن كل من المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والهيئة العامة للإحصاء، أن وتيرة تغيرات سوق العمل المحلية “القطاع الخاص”، تسير أسرع مما كان متوقعا؛ حيث أظهرت بيانات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري، انخفاض أعداد العاملين السعوديين (ذكور) في منشآت القطاع الخاص بأكثر من 23.7 ألف عامل، ليستقر إجمالي أعدادهم بنهاية الربع عند 1.2 مليون عامل سعودي، كما انخفض أعداد العاملين غير السعوديين (ذكور) في تلك المنشآت بنحو 335.1 ألف عامل غير سعودي، ليستقر إجمالي أعدادهم عند 8.3 مليون عامل غير سعودي.

بينما أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء الصادرة قبل يومين فقط، ارتفاع أعداد العاطلين السعوديين إلى نحو 658 ألف عاطل وعاطلة (236.2 ألف ذكور، 421.8 ألف إناث) بنهاية النصف الأول من العام الجاري، ليرتفع معدل البطالة وفقا لتقديرات الهيئة العامة للإحصاء إلى 11.6 في المائة، وهو المعدل الذي يختلف كثيرا عن المعدل المستنتج من رصد البيانات الفعلية الصادرة عن كل من وزارتي العمل والخدمة المدنية، لا مجرد نتائج مسح تقوم بتنفيذه الهيئة العامة للإحصاء بين فترة وأخرى، والذي يقدر للفترة نفسها بنحو 17.8 في المائة.

الشاهد في قراءة وتحليل تلك البيانات الأخيرة بصورة عامة، يكشف عن تطورات معاكسة للجهود المبذولة من قبل وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، تزيد من التحديات على كاهلها دون أدنى شك، من جانب، ومن جانب آخر أكثر تعقيدا على كواهل منشآت القطاع الخاص. تتطلب كل تلك التطورات المتسارعة بالضرورة اتخاذ تدابير وإجراءات أسرع وأكثر جدية على مستوى توطين الوظائف في القطاع الخاص، على الرغم مما يواجهه من تباطؤ في نموه ــ حسبما أظهرته بيانات الهيئة العامة للإحصاء، وتراجع نموه الحقيقي خلال الربع الأول من العام الجاري إلى نحو 0.2 في المائة فقط!

بادرت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية باتخاذ خطوات على طريق التوطين القطاعي، كما قامت به أخيرا تجاه شركات أجهزة الاتصالات، وتزمع قريبا تكرار التجربة على قطاع تأجير السيارات، وعلى الرغم من نتائجها المبشرة في جانب، والضاغطة دون شك على تلك الشركات والمؤسسات العاملة في القطاعات المستهدفة ببرامج التوطين النوعي، إلا أن آثارها لا تتجاوز الأجل القصير، والأهم هنا هو النتائج الإيجابية في الأجلين المتوسط والطويل. أذكر هنا هذا النمط من إجراءات التوطين القطاعي، تحفيزا لوزارة العمل بأن تتخذ منهجية مماثلة على مستوى التوطين المستهدف للمستويات الإدارية العليا (القيادية، والتنفيذية) داخل الشركات الكبرى، والتي تليها في المرتبة مباشرة، التي سينتج عنها زيادة استحواذ العمالة الوطنية ضمن تلك المستويات العليا، وفتح فرص توطين للمواقع التي تأتي أدنى منها، لتحقق بتلك الخطوة أهدافا عديدة، لعل من أهمها تحجيم دوائر التوطين الوهمي أولا، زيادة فرص العمالة الوطنية في شغل الوظائف العليا في منشآت القطاع الخاص، التي شهدت انحسارا كبيرا خلال الفترة 2011 ــ 2016، وأخيرا زيادة فرص العمل الحقيقية والمجدية فعلا أمام الباحثين والباحثات عن العمل من المواطنين.

أرجو أن تتحرك وزارة العمل والتنمية الاجتماعية بأسرع مما هو قائم في المرحلة الراهنة، وجهودها الأخيرة لا شك أنها تستحق الثناء، إلا أنه من الأهمية بمكان أن تتزامن جهود التوطين التي تتولاها في المرحلة الراهنة مع سرعة التطورات الجارية في أروقة سوق العمل المحلية، الذي سينتج عنه تمهيد أفضل لبرامجها مستقبلا، ويغلق مبكرا أبواب ومنافذ ظهور تطورات معاكسة سلبية بدأ ظهورها فعليا، كما تم إيضاحه أعلاه.

نعلم جميعا أن طريق توطين الوظائف في القطاع الخاص يواجه تحديات كثيرة وعديدة، جزء منها له ترسباته العتيقة، وجزء منه يستجد من فترة إلى أخرى نتيجة لعوامل اقتصادية رئيسة، أو نتيجة انعكاسات متوقعة لبرامج التوطين وجهودها، كل هذا بدوره يقتضي رفع مستوى تلك البرامج والجهود فترة بعد فترة، وضخ مزيد من الجدية والصرامة إذا اقتضت الحاجة كما هو حاصل الآن، وأن تعمل الوزارة على وضع الخطط اللازمة لامتصاص أية انعكاسات سلبية محتملة. المهم هنا، ألا تتردد الوزارة في السعي الحثيث نحو التوطين بجميع أنماطه الراهنة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.