درس المواشي «المجاني» لوزارة الإسكان

قدمت وزارة البيئة والمياه والزراعة مشكورة درسا مجانيا لبقية الأجهزة الحكومية في مجال محاربة الاحتكار، والتحكم غير المشروع في الأسعار في الأسواق المحلية، من خلال إجراءاتها التي استهدفت التوسع في استيراد الماشية ورفع القيود التي كانت تحد من ذلك، الذي خدم بدوره المستهلك المحلي، وأسهم بقوة في تصحيح الأسعار المتضخمة جدا التي وصلت إليها.

هل انهارت تجارة المواشي حينما قامت وزارة البيئة والمياه والزراعة بخطوتها الصحيحة والسليمة؟ هل تزعزع الاستقرار الاقتصادي المحلي؟ ومليون سؤال من الأسئلة التي طالما رفعها في وجه المجتمع أقطاب الاحتكار والمضاربة والتلاعب بالأسعار في الأسواق المحلية الأخرى، إن قامت الحكومة بإجراءات إصلاحية حقيقية في المواقع التي اعتاد المحتكرون والمضاربون العبث بها كما شاءوا. الإجابة الشافية هنا؛ أن أيا من تلك الأهوال التي توعد بها أقطاب الاحتكار والمضاربة، لم يحدث منها مثقال ذرة مما يصفون أو يتوعدون!

إنه “درس مجاني” تقدمه وزارة البيئة والمياه والزراعة على طبق من ذهب إلى بقية الأجهزة الحكومية الأخرى، لعل أول وأهم وزارة عليها تعلم ذلك الدرس المجاني هي وزارة الإسكان، التي أنصتت كثيرا طوال عام مضى لأقطاب السوق العقارية المحلية، وصدقت أصواتا هي المستفيد الوحيد فقط من الوعثاء الهائلة في السوق العقارية، المتمثلة في الارتفاع المتضخم جدا لأسعار الأراضي والعقارات، وكيف أن هذا التضخم غير المبرر على الإطلاق صنع أزمات محلية على المستويات كافة اقتصاديا وماديا واجتماعيا، ولم يقف وجه تلك الأزمات عند مجرد افتعال أزمة الإسكان محليا، بل تجاوزها إلى رفع تكلفة التشغيل والإنتاج محليا على منشآت القطاع الخاص، ما تسبب في خفض كفاءتها التنافسية في الأسواق الخارجية، وتسبب أيضا في رفع تكلفة المعيشة على أفراد المجتمع، نتيجة اضطرار منشآت القطاع الخاص إلى رفع أسعار خدماتها وسلعها المقدمة للمجتمع، تعويضا قسريا لارتفاع تكلفة الإيجارات، وامتدت تلك الآثار السلبية اقتصاديا إلى رفع تكلفة المعيشة أيضا على المواطن والمقيم، من خلال ارتفاع فاتورة إيجارات مساكنهم المستأجرة، ليطبق التضخم الزاحف لأعلى على أفراد المجتمع من كل حدب وصوب، أفضى كل ذلك لاحقا إلى الضغط على الحكومة والقطاع الخاص على حد سواء لأجل رفع مستويات الرواتب، الذي لم يجد نفعا، ليلجأ غالبية الأفراد إلى الاقتراض من المصارف التجارية ومؤسسات التمويل وفيما بينهم، لتتضاعف الضغوط المعيشية عليهم بصورة غير مسبوقة، وهو ما نقف عليه في الوقت الراهن من أشكال متعددة التحديات والمعوقات التنموية.

كيف لوزارة الإسكان أن تستوعب وتفهم هذا الدرس المجاني؟ أنها عوضا عن الهرولة خلف فتح أبواب ونوافذ التمويل على مصاريعها، وزيادة القروض العقارية المرهقة جدا على كاهل المواطنين وحتى شركات التطوير العقاري، لأجل الشراء والتملك من سوق عقارية تعج بكم هائل من تشوهات عديدة في مقدمتها الاحتكار الواسع للأراضي البيضاء وحتى المطورة داخل المدن والمحافظات، إضافة إلى المضاربات الحامية الوطيس على ما بقي محررا من تلك الأراضي، التي لا تتجاوز عشر مساحات تلك الأراضي المحتكرة، وكيف أن تلك التشوهات تسببت في استعار الأسعار حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، أرهقت معها كاهل الاقتصاد الوطني والمجتمع السعودي وأثقلت عليهما تنمويا، أقول لوزارة الإسكان عوضا عن الهرولة في هذا الاتجاه الخاطئ تماما، الذي لن يخدم اقتصادنا ومجتمعنا، بقدر ما أنه سيخدم أكثر من غيره من الأطراف، فقط تلك الأطراف المستفيدة دون عذر مقبول ولا مشروع من التضخم الهائل لأسعار الأراضي والعقارات!

إن في يد وزارة الإسكان في الوقت الراهن الأدوات الكافية لصفع الاحتكار والمضاربة بالدرجة القاضية، كان من أهم ما وفرته الدولة أيدها الله لها:

(1) نظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، وهو النظام الكفيل بتطبيقه السريع والواسع (أسرع مما تضمنته اللائحة التنفيذية الراهنة) على عموم المدن والمحافظات، وخلال فترات زمنية أقصر بكثير مما ورد في اللائحة التنفيذية، أن يؤدي إلى تصحيح الأسعار المتضخمة جدا للأراضي، التي بدورها إذا انخفضت وعادت إلى المستويات السعرية العادلة، فسيترتب عليها انخفاض أسعار المنتجات العقارية الأخرى، وانخفاض تكلفة إيجاراتها الباهظة جدا كما هو قائم في المرحلة الراهنة.

(2) مخزون هائل من الأراضي الصالحة للتطوير والبناء والتشييد، كان ممكنا لوزارة الإسكان لو أنها كثفت جهودها ومواردها بصورة أكثر فاعلية وكفاءة، أن تحصد بموازاة فاعلية تطبيق نظام الرسوم على الأراضي نتائج وثمارا لم تخطر على بالها، ولرأينا جميعا انطفاء سريعا لأزمة الإسكان المحلية، سيعقبه دون أدنى شك انطفاء واسع لعديد من الأزمات التنموية الأخرى، التي تسببت أزمة الإسكان المحلية في اشتعالها دون أي مبرر مقبول أو مشروع.

هل تعلم وزارة الإسكان أن إطفاء 50 في المائة إلى 75 في المائة من التضخم الهائل لأسعار الأراضي والعقارات، كفيل بأن يسهل عليها كثيرا تجاوز أزمة الإسكان المحلية بأقل التكاليف على كاهل الدولة والمجتمع؟ هل تعلم أن طريقا انطفأت أسعاره المتضخمة بتلك النسب المحمودة جدا، أنه يعني انخفاض تكلفة الإيجارات على مئات الآلاف من المنتظرين برامجها الإسكانية؟ الذي بدوره سيخفف كثيرا من الضغوط الهائلة عليها، نتيجة زوال الضغوط المادية والاقتصادية المكلفة على كاهل المنتظرين لها! وسيسهل عليها تنفيذ برامجها وخططها دون ضغوط هائلة كما هو قائم الآن.

ليس هذا فحسب؛ بل إضافة إلى المرونة الكافية زمنيا التي ستحصدها وزارة الإسكان، لتقوم وتتفرغ في زمن كاف بتنفيذ برامجها الإسكانية، إن جزءا كبيرا جدا من التكلفة الهائلة لتنفيذ تلك البرامج الإسكانية سيزول تماما عن كاهل ميزانية الدولة، وسيخفض كثيرا من تورط أفراد المجتمع بتحمل أعباء قروض عقارية طائلة، بما فيه ذراعها “الصندوق العقاري” الذي ستتوافر لديه فرص لا حصر لها، ستمكنه مستقبلا من الوفاء بمهامه وأدواره بأدنى التكاليف، وتخرجه من وعثاء العجز الراهن الذي غاصت قدماه فيه دون أي حلول في الأفق القريب. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.