حينما تمر من جانب أرض

تخوض بسيارتك مئات الرحلات اليومية عبر شوارع مدينتك الشاسعة الأطراف، تنشغل أكثر بمعاركة زحام السيارات الأخرى، وفي الوقت ذاته تنغمس في هم الوصول إلى وجهتك المحددة قبل فوات الموعد، وهكذا تدور بك الأيام والأسابيع والشهور، تكابد رحلاتك العابرة لشوارع مدينتك.

هل انتبهت ذات مرة إلى المباني والأراضي المحاذية للشوارع التي تمخرها يوميا؟ هل انتبهت لتلك المباني الشاهقة كم يوجد فيها من البشر العاملين، الذين يسعون في الأرض طلبا للعيش الكريم؟ هل انتبهت إلى ما يستقر في أي من تلك المباني، هل هو مستشفى أو مدرسة أو مرفق حكومي أو مقر لإحدى الشركات أو المؤسسات الأهلية أو حديقة أو مطعم أو سوق أو سوبر ماركت أو أي من المحال الصغيرة كبقالة أو حلاق أو سباك وكهربائي … إلخ؟

هل انتبهت لو مرة واحدة؛ إلى تلك المباني كمساكن وبيوت وعمائر كم تأوي من الأسر والعائلات؟ يمضي أفرادها حياتهم العامرة في كنف آبائهم وأمهاتهم، تتشكل مصائرهم وذكرياتهم كعائلة واحدة، تمتزج بما هو حلو ومر وما بينهما من قصص وحكايات وتطورات يومية لا تنتهي لذتها في حياة وذاكرة كل فرد من العائلة.

هل انتبهت ذات مرة إلى الأراضي الخالية من الإعمار والانتفاع وسط ازدحام كل ما تقدم ذكره من مبان؟ هل لفت انتباهك أن أجزاء كثيرة من مدينتك الشاسعة الأطراف، قد تجد مساحات الأراضي وأعدادها أكثر بكثير من مختلف أنواع المباني والمساكن؟ هل انتبهت إلى حجم الفقد والتعطيل إذا خلت الأرض وسط مدينتك من إعمارها واستخدامها؟ هل تستطيع الآن تصور ماذا يعني تجميد أرض ما لعشرات السنين، دون أن تبنى أو ينتفع منها؟

لا تقف أرقام فاتورة الهدر والفقد والتعطيل لأي أرض مهما كانت داخل حدود مدينتك، عند مجرد حرمان المدينة ومجتمعها من مستشفى أو مدرسة أو مرفق حكومي أو مرفق قطاع خاص أو أي مما تقوم عليه حياة المدن! ولا تقف أيضا عند حرمان مجتمع مدينتك من إيجاد مئات الآلاف من الوظائف وفرص العمل الكريمة لسكانها في أي مرفق من تلك المرافق، ولا تقف أيضا فاتورة الهدر تلك عند حرمان الأفراد والأسر في مدينتك من توفير سكن ملائم لها. إنها تتجاوز كل تلك الخسائر على رغم فداحتها الكبيرة، ليتطاول اتساع مساحات الأراضي الخالية من الحياة والتطوير والبناء بآثاره السلبية جدا، حتى على جميع ما تقدم ذكره من مبان متنوعة الأغراض سبق ذكرها أعلاه!

فكما ارتفعت الأسعار السوقية لتلك الأراضي الخامدة، نظير زيادة الطلب عليها الذي قابله امتناع ملاكها عن تحريرها أو تطويرها أو إحياؤها، فقد ترتب على تلك الارتفاعات السعرية أن ارتفعت أيضا الأسعار السوقية بصورة جنونية لجميع المباني المشيدة سابقا، وارتفعت أيضا تكلفة إيجاراتها سواء للقطاعين الحكومي أو الخاص أو العائلات دون استثناء، انعكست سلبا على جميع الجهات عدا ملاك تلك الأراضي الشاسعة.

المستشفى أو المدرسة أو المرفق الحكومي أو أي مبنى للقطاع الخاص تضاعفت تكلفة بنائه بما لا يقل عن عشرة أضعاف خلال أقل من عقد زمني، فالمستشفى على سبيل المثال الذي كانت تكلفة بنائه وتشغيله لا تتجاوز 100 مليون ريال قبل عشرة أعوام، قد تجد تكلفته اليوم بالسعة نفسها تتجاوز 1.0 إلى 1.5 مليار ريال! وقس على ذلك بقية الأنواع الأخرى التي لا حصر لها من المرافق الحكومية وفي القطاع الخاص.

اندفعت آثار هذا التضخم في التكاليف إلى تضخم أسعار الخدمات والسلع والمنتجات التي تقدمها للأفراد والمجتمع الاستهلاكي في مدينتك، ولتلتقي تلك الأسعار المتصاعدة في نهاية الطريق مع ارتفاع تكلفة الإيجار أو قسط تمويل تملك المسكن على كاهل الأفراد والأسر! فما كان يستقطع من الدخل السنوي للأفراد العاملين لأجل السكن، بما لا يتجاوز 15-20 في المائة من الدخل، تجده اليوم قد يناطح الـ 55-75 في المائة من دخل العاملين! وما كان يستقطع كتكاليف معيشة للأفراد نفسها بين 20 و30 في المائة من دخلهم قبل عدة أعوام، تجده اليوم قد يبتلع ضعف أو ضعفي تلك النسب! لتدفع تلك الضغوط المعيشية على الأفراد والأسر وفق هذا التصور المرهق، إلى الاقتراض والغوص في وحل من القروض الاستهلاكية التي لا نهاية لها.

إنه لمن المجحف جدا أن نقذف بتلك الآثار السلبية كافة لاتساع دوائر احتكار الأراضي والمضاربة عليها خلف أظهرنا، التي لم يصل ما تطرقت إليه أعلاه منها حتى لواحد في المليار! وأن يتصدى في الوقت ذاته من يعلو صوته بالدفاع المستميت عن التضخم المجحف لأسعار الأراضي والعقارات، المبالغ فيها إلى ما وراء الجنون الكامل، والناتجة أولا وأخيرا برمتها عن تشوهات هائلة الحجم في سوق العقار، وفي الهيكل الاقتصادي الكلي! وإنه لمن العجب؛ أن يتفق معك أصحاب تلك الأصوات في ضرورة معالجة تلك التشوهات الهيكلية في السوق وفي الاقتصاد على حد سواء، لكن في الوقت ذاته تراه يستميت بالدفاع عن الآثار المدمرة (ممثلا في التضخم المفجع للأسعار) التي خلفها وجود تلك التشوهات! وكأنه باختصار يقول: لا يمنع أبدا أن يتحمل الاقتصاد الوطني والمجتمع وأي ضحية أخرى ذات علاقة أعباء تلك الآثار التضخمية، في حين يجب ألا يمس الشريحة الضيقة من المستفيدين حصرا من آثار تلك التشوهات الفادحة أي ضرر، أو حتى خسارة ريال واحد من مكاسب انتفاخ أثمان أملاكهم من الأراضي المحتكرة أو المضارب عليها!

الآن؛ حينما تمر من جانب أرض ما، لا شك أنه سيتشكل في مخيلتك مصفوفة مرعبة ومرهقة جدا من الأفكار، التي ستكون أوسع وأعمق من كل ما تقدم ذكره! إلى الدرجة التي ستنسيك تماما ضجرك وضيقك من الزحام الشديد في شوارع مدينتك. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.