توطين المناصب القيادية والتنفيذية للقطاع الخاص

على الرغم من نجاح وزارة العمل (بمسماها السابق) في رفع معدلات التوطين خلال الفترة 2011-2015، من 10.4 في المائة بنهاية 2010 وصولا إلى 16.4 في المائة بنهاية 2015، وقدرتها على رفع أعداد المواطنين والمواطنات العاملين في القطاع الخاص من 724.7 ألف عامل (669 ألف مواطن عامل، 55.6 ألف مواطنة عاملة) بنهاية 2010، وإيصالهم إلى أكثر من 1.7 مليون عامل (1.2 مليون مواطن عامل، 499.6 ألف مواطنة عاملة) بنهاية 2015، أقول على الرغم من كل تلك النجاحات “الكمية” إذا جاز التعبير، إلا أنها أيضا حملت في ثناياها عددا من التطورات المعاكسة لتلك النجاحات على المستوى النوعي، وفي أحيان أخرى حتى على المستوى الكمي، لعل من أبرزها ارتفاع معدلات التوطين الوهمي، وزيادة استقدام العمالة الوافدة خلال الفترة نفسها أعلاه.

تقتضي الأهمية القصوى التي يحملها الملف التنموي المهم “التوظيف ومكافحة البطالة”، الذي يشكل إلى جانب “ملف أزمة الإسكان” أهم وأثقل ملفات التنمية المحلية على الإطلاق، أؤكد أن تلك الأهمية تقتضي من الجميع، لا وزارة العمل والتنمية الاجتماعية وحدها؛ العمل على تحليل تلك التطورات العميقة الآن ومستقبلا، واستنباط حلول وبرامج وسياسات أكثر جدية وعمقا مقارنة بكل ما سبق من برامج للتوطين، والمضي بها وفق آليات عمل تكاملية وشاملة (أجهزة حكومية، الكيانات الكبرى في القطاع الخاص)، تضم برامج توطين عامة، وبرامج أخرى للتوطين تكون تفصيلية ومحددة على نشاطات جزئية، وعلى مستويات إدارية بعينها “القيادية، والتنفيذية”، تستهدف معدلات توطين أسرع وأدق بكثير مما تتضمنه البرامج الموازية لها على المستوى الكلي أو العام، ولعل ما قامت به الوزارة بنجاح كبير على مستوى التوطين الكامل لنشاط محال الاتصالات أخيرا، وما ستتبعه من تكرار للتجربة لنشاط تأجير السيارات، يوثق في خانة هذه البرامج التفصيلية، ويؤمل أن تتوسع الوزارة وبالتعاون معها من قبل بقية الأجهزة الحكومية وكيانات القطاع الخاص في هذه الاتجاهات الحيوية.

الحديث هنا سينصب على ضرورة قيام وزارة العمل والتنمية الاجتماعية بوضع برامج مختصة ونافذة، تستهدف بالتحديد “توطين المناصب القيادية والتنفيذية في القطاع الخاص”، فما يجري على أرض الميدان في وظائف القطاع الخاص في الوقت الراهن، من زيادة مفرطة في توظيف العمالة الوافدة، وتعيينها في أعلى المناصب القيادية والتنفيذية في الشركات والمؤسسات، كل ذلك على حساب الكفاءات الوطنية التي تزخر بها الشركات والمؤسسات نفسها. تؤكد الإحصاءات والبيانات الرسمية عدا أنها لافتة جدا ومستغربة، فهي تؤكد فشلا ذريعا عانت وتعانيه برامج التوطين الراهنة كافة! ويكفي أن تكتشف بموجب ما أظهرته البيانات الرسمية الحديثة لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية، أنه خلال الفترة نفسها 2011-2015 التي ارتفع خلالها كل من معدل التوطين وتوظيف العمالة السعودية، ارتفعت أيضا نسبة استحواذ العمالة الوافدة على المناصب التنفيذية والقيادية في القطاع الخاص من 9.5 في المائة من الإجمالي (2008)، إلى أن وصلت إلى نحو 32.0 في المائة من الإجمالي (2015)، ويتوقع في غياب أو ضعف برامج التوطين حول هذا الجانب الحيوي، أن تستمر تلك النسب في الزيادة المفرطة، ومزيدا من استحواذ العمالة الوافدة على المناصب القيادية والتنفيذية في القطاع الخاص، في الوقت ذاته الذي تهتم وتنشغل برامج التوطين بدرجة كبيرة بسعودة الوظائف المتدنية من حيث المستويات الإدارية والأجور. تظهر البيانات الرسمية حول العاطلين عن العمل، أن نحو 50.0 في المائة من إجمالي العاطلين المواطنين هم من حملة الشهادات الجامعية فأعلى!

لا شك أن بقاء وانتشار وزيادة استحواذ العمالة الوافدة على المناصب العليا في القطاع الخاص، عدا أنه يعكس في حقيقته فشلا بالغ الخطورة لبرامج التوطين، فإنه أيضا يمثل تهديدا صريحا لبرامج التوطين نفسها، وماذا يتوقع ممن يمسك بزمام أهم وأكبر القرارات في كيانات القطاع الخاص على مستوى التوطين، إذا كان أغلب تلك القرارات بيد غير المواطنين؟! وإلا لماذا تفشى التوظيف الوهمي للمواطنين خلال فترة 2011-2015؟ ولماذا ازداد استقدام العمالة الوافدة؟ ولماذا لا تزال معدلات البطالة بين المواطنين والمواطنات مرتفعة؟ ولماذا تركز توظيف العمالة المواطنة في الوظائف الهامشية؟ ولماذا تفاقم ترك العمالة المواطنة وظائفها في القطاع الخاص إما بالاستقالة الجبرية أو الفصل الصريح؟ وكثير من الأسئلة التي لا إجابة صريحة عنها حتى تاريخه! نعم قد لا تتحمل تلك القيادات التنفيذية من العمالة الوافدة كامل مسؤولية تلك الفواجع، إلا أنه في الوقت ذاته لا يمكن أن تكون أدنى من تموضعها في المرتبة الثانية إن لم تكن الأولى في سلم المسؤولية تجاه تلك الظواهر والتطورات السلبية في وظائف القطاع الخاص.

إنه الوقت المناسب جدا لتبدأ وزارة العمل والتنمية الاجتماعية بإقرار الإجراءات اللازمة الهادفة إلى سعودة تلك المستويات الإدارية العليا، والإسراع بتطبيقها على وجه السرعة، وهو ما سيسهم في المستقبل القريب جدا في زيادة التوطين في بقية المستويات الأدنى بالصورة الصحيحة بعيدا عن التوطين الوهمي أو الهامشي، كون الصلاحيات والقرارات العليا في القطاع الخاص قد أصبحت بيد عمالة مواطنة. وهنا يجب أن تنظر وزارة العمل والتنمية الاجتماعية حال بدئها في تحقيق هذا التوجه المهم، بالتركيز على القطاعات الاقتصادية الأعلى عائدا ودخلا كالقطاع المصرفي والتمويلي والتأمين بالتنسيق المباشر والمستمر مع مؤسسة النقد العربي السعودي، وقطاع شركات الاستثمار المرخصة بالتنسيق المباشر والمستمر مع هيئة السوق المالية، وهي القطاعات التي تنتسب إلى نشاط الخدمات (يشمل هذا النشاط: تجارة الجملة والمطاعم والفنادق، والنقل والاتصالات والتخزين، وخدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال، وخدمات جماعية وشخصية، ومنتجي الخدمات الحكومية)، الذي يتصف بسهولة توفير الوظائف أكثر من غيره، مقارنة بنشاطي الصناعة والزراعة، وكون نشاط الخدمات من أكثر النشاطات التي تورطت في التوطين الوهمي، وفي الوقت ذاته تورطت في زيادة الاستقدام من الخارج، يضاف إليه قطاع التشييد والبناء المنتسب إلى نشاط الصناعة، كأكبر قطاع تورط أيضا في التوطين الوهمي وزيادة الاستقدام.

إنني أتمنى صادقا أن يبادر وزير العمل والتنمية الاجتماعية بالتعاون العاجل مع كل من محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي ورئيس هيئة السوق المالية، والاتفاق العاجل على وضع برامج التوطين لتلك المناصب القيادية والتنفيذية في كيانات القطاع الخاص الخاضعة لرقابة مؤسسة النقد وهيئة السوق، والبدء بتوطين قيادات تلك الكيانات المهمة التي تتجاوز موجوداتها نحو ثلاثة تريليونات ريال، وإلحاق هذا التعاون بتعامل مماثل لبقية القطاعات الاقتصادية المجدية في كل من نشاطي الخدمات والصناعة، تستهدف بالدرجة الأولى تأسيس برامج توطين لمناصبها القيادية والتنفيذية، وكم سيكون محمودا جدا النتائج المنتظرة بمشيئة الله لتوجه تنموي بالغ الأهمية كهذا التوجه الخير، فهل نرى هذا قريبا؟ والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.