إعادة الهيكلة والإصلاح عمل لا يتوقّف

لم ولن تكون قرارات إعادة هيكلة الأجهزة الحكومية قبل أمس الأولى ولا الأخيرة، فهي جزء رئيس من حراك إصلاحي يحارب البيروقراطية والترهل والتأخّر في الإنجاز، وهو الركيزة الأساسية من ثقافة جديدة إلى حد بعيد، علينا الاعتياد عليها في الوقت الراهن ومستقبلا، فلا مجال لأن تبقى الأجهزة الحكومية على حال عتيق من ديمومة أداء المهام والمسؤوليات على عاتقها بنفس الوتيرة، التي قد تتطوّر عبر الزمن إلى أن تتحول إلى نوع من إدمان العمل على نمطية رتيبة وصل إفلاسها إلى حدود تجاوزت مجرد فشل الأداء، وتعثّر تنفيذ المشاريع، وزيادة هدر الموارد على كافّة مستوياتها، ما يتطلّب بدوره إن أردنا سرعة التدخل والإصلاح والمعالجة الفورية.

كما أنّ من أساسيات الثقافة الجديدة للإصلاح والتطوير؛ أنّ حتى القرارات والإجراءات المتخذة الآن تخضع بدورها هي أيضاً لمسطرة تلك الثقافة، فلا قداسة أو هيبة لها تمنعها هي أيضا من مشرط الإصلاح والمعالجة والتطوير إذا ظهر أنّها أقل من الطموح، أو جاءت عكس التوقعات المأمولة! الأساس هنا هو إبقاء جذوة الإصلاح والرقابة والمتابعة والمحاسبة متوقدة على الدوام، يخضع الجميع لمشارطها دون استثناء لكائن من كان، لا فرق بين مسؤول أتى قبل عدة أعوام أو حتى قبل عدّة أيام!

المحك الرئيس في طور كل ما هو أمامنا من مواجهة للتحديات والمعوقات، وسعي دؤوب نحو غايات وطموحات تنموية مشروعة لنا بالكامل، يتجاوز مجرّد النجاح في مهامها، إلى أبعد من ذلك، بأن تتحقق على أعلى قدر من الكفاءة والإنتاجية بأقل التكاليف! إذ لا يُعد على الإطلاق نجاحا قد يجيّره أي مسؤول لنفسه أن قام بتنفيذ مشاريع معينة، استغرقت منه عدة سنوات قد تتجاوز عقدا زمنيا، وهي التي كان سهلا جدا إنجازها خلال عُشر تلك الفترة الزمنية أو أقل منها! ولا يُعد على الإطلاق نجاحا يُذكر لأي مسؤول أنْ يقوم بتنفيذ مشاريع أخرى بتكاليف مالية هائلة، كان بالإمكان تنفيذها بأقل من تلك التكاليف الباهظة بدرجة لا تقارن أبدا، ولا يُعد على الإطلاق نجاحا يستحق حتى الذكر؛ أن يستعرض مسؤول آخر سلسلة لا نهاية لها من وعود وتوقعات وتصريحات بتحقيق ما عجز عنه الآخرون، ثم إذا بحثنا في واقع منجزاته لم نجد إلا أرضا تذروها الرياح!

كل هذا لا وزن له في معايير ثقافة الإصلاح والتطوير المستمر، وهو ما يجب أن يستقر في ذهنية كل مسؤول يتم تكليفه بأعباء ومهام أي جهاز حكومي، وأنّ عليه إدراك أن المرحلة الراهنة والمستقبلية أصبحت مكتظة جدا بأدوات الرقابة والمتابعة والمحاسبة فوق رأسه “نظامياً”، وحول رقبته من كل الجهات كافّة “إعلاميا واجتماعيا”. إنّ الجزء الأهم من الرقابة والمتابعة الإعلامية والاجتماعية فيما يتعلّق بعمل وجهد الإصلاح، وهو الجزء الذي لا يمكن إغفال دوره خاصة في عصرنا الراهن، أنّ المشاركة المجتمعية في الإصلاح والتطوير بصورة عامّة، لم تعد مجرد أحاديث يتم النطق بها على قهوة صباحا أو مساء، ولم يعد في الإمكان التصدّي لأي مظاهر من قصور في الأداء أو التأخّر عنه في المقالات أو المنتديات، أو عبر اللقاءات أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، مجرد حديث ترف أو بحث عن مكاسب قصيرة. إنّه قبل كل هذا وبعده أيضاً؛ عمل شاق جدا على الجميع دون استثناء، ويجب أن يكون كذلك!

بل إنّ آلامه هي أحد أهم المؤشرات الدالة على صعوبة التشوهات الراهنة التي يمكن وصف القبول بها، أو السكوت عليها، بحالة من الإدمان المعقدة جداً، التي تتوجّب معالجتها مهما كلّف الثمن! فلا يوجد إصلاح حقيقي دون ألم، ولا يوجد إدمان لأي تشوهات أو أخطاء دون ثمن، فالإصلاح أشبه بجهد وتعب طالب يسعى إلى نيل الشهادة العليا، ومن ثم اكتساب مردودها الكبير على حياته ومستقبله، فيما يشبه الإدمان استسلام شخص ما لعقاقير الموت البطيء، الذي سيأتي ذلك اليوم الذي يواجه فيه مصيره المحتوم طال الزمن أم قصر!

إننا ونحن اليوم نخطو أولى الخطوات الفعلية على طريق الإصلاح، تقع على الجميع مسؤولية إنجاحها، ومهام الدفع بها إلى الأمام خطوة خطوة، تختلف تلك المسؤوليات والأدوار من طرف إلى آخر حسب موقعه، وهو ما يجب على كل طرف إدراكه تمام الإدراك. إلا أنّه من الأهمية بمكان هنا؛ أهمية أن تأخذ كافة الأجهزة المعنية بتنفيذ تلك البرامج الإصلاحية عامل الشفافية، وضرورة إيضاح وإفهام كافة شرائح المجتمع بأهمية وحقيقة ما يقوم به كل جهاز لأجلهم خطوة بخطوة، وألا تتأخّر أي من تلك الأجهزة والجهات عن إيضاح الصورة كاملة لكل أفراد المجتمع، وتكمن أهمية هذه الخطوة الرئيسة، في أنّها هي الركيزة التي سيقف عليها كل فرد من المجتمع، التي بناءً عليها إمّا أن تكسبه معها فيمضي العمل بكل يسر ودون عناء، أو أن يتأخّر عنها ما قد يزيد من الأعباء والتكاليف، وهو ما لا أحد يحبذه من أي طرف كان.

إنّ الأمر باختصار شديد، يتعلق بدرجة التكيّف مع التغيرات والتطورات اللاحقة، فكلما كان هذا التكيّف، وبمعنى آخر بالغ الأهمية “درجة الفهم”، كان واسع الآفاق ومدركا لكافة القضايا المتعلقة بعمليات التغيير، كلما كانت عمليات التكيّف أسهل وأيسر طريقاً، وهو الجانب المهم جداً المفترض أن توليه الأجهزة القائمة على عمليات التطوير والإصلاح والتغيير العناية الكاملة، بضرورة إشراك المواطن في كل جزء من عمليات الإصلاح، وأن تتولى باهتمام كبير جهود إيضاح الحقائق كاملة أمامه، وبطريقة مستمرة وواضحة. وللحديث تتمّة بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.