هيكلة تعزز الأداء وإصلاح يحارب التقصير

أستكمل الحديث عن القرارات والإجراءات الهيكلية التي قامت بها الدولة أخيرا، والتأكيد على أنها لا تنفصل عن الجهود المستمرة للدولة على طريق الإصلاح والتطوير، كاشتراطات حتمية ولازمة لأجل الوصول إلى الأهداف التنموية المشروعة أخذا في الاعتبار، أهمية تحقق التقدم والنمو المستدام والشامل لكافة جوانب الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية محليا.

حين التدقيق فيما يجري الآن من جهود وإصلاحات، ستجد أنها تقف على ركيزتين أساسيتين؛ الركيزة الأولى: المرتبطة بتحسين ورفع كفاءة الأداء والإنتاجية، وتوفير الهدر المالي وبقية الموارد الأخرى، تحقق في إما دمج أجهزة عديدة في جهاز واحد، وإما فصلها وإعادة توجيهها وفق ما تقتضيه المصلحة في المرحلة الراهنة، أو حتى بمنح الاستقلالية لجزء معين من مهام كانت ضمن مسؤوليات أحد الأجهزة الحكومية، بما يؤهل ذلك الجهاز الجديد المستقل لأداء مهامه وتحقيق أهدافه بدرجة أكثر كفاءة.

الركيزة الثانية: تشديد الرقابة والمتابعة والمراجعة على أداء تلك الأجهزة كافة، والخروج بتقييمات للأداء والإنتاجية (ربع سنوية، نصف سنوية)، يمكن لصاحب القرار التعرف على درجة تقدم الأعمال والمهام والمسؤوليات، واتخاذ القرارات أو الإجراءات اللازمة عند الحاجة، محققا بذلك عملية الإصلاح اللازمة، ومحاربا أي شكل من أشكال التقصير أو التأخير أو الفساد بأنماطه المعروفة كافة إداريا وماليا.

ركيزتان تشكلان العجلتين اللتين تسير عليهما إدارة وتوجيه التنمية المستدامة والشاملة، تكملان بعضهما بعضا ضمن منهجية عمل متكاملة لا متضاربة، تعززان بعضهما بعضا بما يسهل عمليا من الوصول إلى الأهداف المأمولة بأعلى قدر ممكن التوظيف والكفاءة، وبأقل ما يمكن من التكاليف المادية والجهود. يتم كل ذلك على درجة من أعلى التشاركية اجتماعيا، وتحديدا الدور المأمول من أفراد المجتمع كونهم النواة الأساسية لنجاح كل ما تقدم ذكره، وكونهم أيضا أحد أهم الأهداف التي تتوخى تحسين ظروفهم المعيشية والحياتية على وجه العموم.

وكما أنه طريق مملوء بالفرص، فهو أيضا طريق مملوء بالتحديات والمعوقات، يقع على كاهل الأجهزة الحكومية وكيانات القطاع الخاص ومعهما دون أدنى شك أفراد المجتمع على اختلاف مؤهلاتهم، وشرائحهم الاجتماعية والتعليمية والعملية، أؤكد يقع على كاهل تلك الأطراف مسؤولية العمل الحثيث لأجل اقتناص تلك الفرص، وتوظيف قيمها المضافة في خانة دعم القدرات والإمكانات، وبالقدر نفسه تتحمل تلك الأطراف أيضا مسؤولية مواجهة أي تحديات أو معوقات قد تعرقل تقدم الأداء والإنتاج، أو قد تتسبب في هدر الموارد والجهود والطاقات. وحتى لا نغرق في التنظير، بما قد يبعدنا عن فهم أهمية ما يتم العمل عليه في المرحلة الراهنة من جهود إعادة هيكلة وتحسين أداء ومحاربة لأشكال التقصير والفساد، سيكون مهما جدا التركيز على ثلاثة أشكال أو حالات نتعايش مع تحدياتها ومعوقاتها يوما بعد يوم، وكيف أن جهود الدولة الأخيرة في المرحلة الراهنة، من الأهمية بمكان أن تترجم نجاحا حقيقيا على مستويات تلك التحديات أو المعوقات كافة.

من أشكال تلك التحديات أو المعوقات، التي تركزت عليها أغلب الأطروحات الاقتصادية والمالية طوال العقدين الماضيين، عاناها الاقتصاد والمجتمع على حد سواء، على سبيل المثال لا الحصر: (أولا) تحديات التشوهات التي عجت بها سوق العقار والإسكان، وما نتج عنها من تفاقم احتكار الأراضي بمساحات شاسعة داخل وحول المدن والمحافظات، وأيضا تفاقم وتيرة المضاربات عليها، حتى وصلت أسعار الأصول العقارية إلى مستويات سعرية متضخمة خارجة عن السيطرة، وتسببت في إلحاق الكثير من الأضرار الفادحة بمقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.

(ثانيا) ترهل أداء الأجهزة الحكومية تجاه الوفاء بما قطعته على نفسها من أهداف تنموية، لم يتحقق منها أعلى من 25 في المائة، دع عنك تأخرها الكبير عن الوفاء بمتطلبات واحتياجات أفراد المجتمع على مستوى التنمية الشاملة والمستدامة، لتتضخم على أثر كل ذلك “فجوة تنموية” لا يقل حجمها بلغة الأرقام عن 1.0 تريليون ريال! تمثلت في سلة ثقيلة الوزن من المشروعات الحكومية المختلفة (7200 مشروع تنموي)، التي تعثر تنفيذها حسب تصريح وزير الدولة محمد آل الشيخ في يوم إعلان موازنة الدولة لعام 2016.

(ثالثا) انغماس كبريات منشآت القطاع الخاص في أحضان الدعم والرعاية الحكومية المفرطة، مقابل إهمال المنشآت الصغرى والمتوسطة، وأحيانا قد يصل الأمر إلى محاربة تلك المنشآت، وزاد من وطأة الأمر على بيئة الاستثمار المحلية بصورة عامة، تدفق عشرات الآلاف من الشركات الأجنبية، مستفيدة بالدرجة القصوى من هذا الدعم الحكومي المعمم دون قيد أو شرط (تجاوزت رؤوس أموالها سقف الـ 800 مليار ريال)، مقابل مساهمة محدودة جدا على مستوى تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وعلى مستوى توظيف العمالة الوطنية، كل هذا شكل بيئة استثمار محلية مكتظة إما باحتكار نشاطات بالغة الأهمية، أو بسيطرة العمالة الوافدة على نشاطات أخرى، أو بتأخر وضعف إنتاجية نشاطات اقتصادية أخرى، إضافة إلى غيرها من الترهلات التنظيمية والرقابية، فماذا كانت نتيجة كل هذا الرصيد الإنتاجي للقطاع الخاص، سوى ضعف مساهمته في تنويع قاعدة الإنتاج، وضعف إيجاده للوظائف المناسبة، وضعف تنافسيته محليا وخارجيا، وعدم قدرته على استقطاب الكثير من الثروات المحلية، التي فضلت بدورها إما التوجه للاستثمار والمضاربة في الأراضي والعقارات، وإما الهروب إلى خارج الحدود.

إن تحديد الأهداف النهائية؛ سواء كفرص يجب السعي إلى تحقيقها، أو كتحديات ومعوقات يجب حلها وتجاوزها، من شأنه أن يسهل كثيرا على الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص وأفراد المجتمع عملهم وكيفية الوصول إلى النهايات المأمولة، وفي الوقت ذاته يسهل أيضا الرقابة ومتابعة الأداء واتخاذ القرارات أو الإجراءات اللازمة، سواء بهدف تعزيز الإمكانات، أو بهدف القضاء على أوجه التقصير والانحراف. ختاما؛ نتمنى جميعا تضافر الجهود والأعمال بشكل حقيقي وملموس، وصولا إلى أهدافنا التنموية المشروعة، وبما يتحقق على أثره الخير والنماء والاستقرار لبلادنا العزيزة جدا ولمجتمعها الخير. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.