حماية الرسوم على الأراضي من السقوط

يُنتظر خلال الأيام القليلة المقبلة، أن يتم الإعلان الرسمي عن اللائحة التنفيذية لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وهو الأداة الأهم ضمن حزمة الأدوات والإجراءات التي اتخذتها الدولة – أيدها الله – أخيراً لمواجهة وحل تحديات الأزمة الإسكانية، التي نشأت نتيجة عديد من التشوهات الجاثمة داخل أحشاء السوق العقارية المحلية، بدءاً من احتكار الأراضي بمساحات شاسعة جداً، مروراً بتفاقم عمليات المضاربات المحمومة على الجزء المحدود من تلك الأراضي المتاح للتداول، إضافة إلى بقية التشوهات التي أصبحت معلومة للجميع في سوق العقار، وما آلت إليه من نشوء أزمة تنموية بالغة الخطورة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

إنّ من الضرورة بمكان أن تخرج تلك اللائحة التنفيذية المرتقبة على قدر من القوة والجدية، لا يقل بأي حال من الأحوال عن تلكما الصفتين اللتين تمتع بهما نص وروح نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وألا تأتي أيضاً أقل قامة من قامة التشوهات الخطيرة التي تعج بها أحشاء السوق العقارية، وإلا فإن النتائج التي استهدفها مشرّع النظام قد تأتي عكسها تماماً على أرض الواقع، وهو ما لا يتمنّى حدوثه أي طرف من الأطراف ذات العلاقة بإعداد تلك اللائحة التنفيذية، ولما له من آثار خطيرة جداً في مقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء. حتى نكفل جميعاً تمتع اللائحة التنفيذية بتلك السمات اللازمة الكفيلة بإضفاء القوة عليها، لا بد من توافر عدد من الاعتبارات فيها، يأتي تحديدها هنا في المرحلة الزمنية النهائية من ترقّب صدورها قريباً، على أمل كبير بأن تأخذ الاهتمام الكافي من قبل القائمين على إعداد الصيغة النهائية لتلك اللائحة التنفيذية.

الاعتبار الأول؛ متى تُعد الأرض فضاء؟ تبدأ الإجابة من معيار الانتفاع من الأرض بما لا يقل عن 50-70 في المائة منها، وأنّه في غياب تحقق هذا المعيار الأهم، فإنّ الأرض تُعد فضاء، سواءً كانت مشمولة بالخدمات أم لا أو حتى بعضها، مطوّرة كانت أم غير مطوّرة، طالما أنّه توافر فيها الشرط الأول المتمثل في وقوعها داخل حدود النطاق العمراني. بناءً عليه؛ يتم تطبيق الرسوم عليها دون تأخير أو مماطلة، وهو ما سيكفل إغلاق أي استثناءات أو زيادة بشروط اعتبار الأرض فضاء أم لا، كما أنّه سيسد كثيرا من نوافذ التهرّب أو التلاعب على نظام الرسوم، ولعل أخطر ما يمكن أن تتورّط فيه وزارة الإسكان في هذا الخصوص، أن يتهرّب كبار ملاك الأراضي غير المطورة من تطبيق الرسوم عليها، أن يكتفوا بإجراء بعض تطوير مزيف لتلك الأراضي، لينتقلوا بعده إلى منطقةٍ آمنة تماماً من تطبيق الرسوم، وهذا أحد أكبر فخاخ سقوط نظام الرسوم حتى قبل أن يبدأ العمل به فعلياً، ولا شكّ أن وزارة الإسكان هي الجهة الوحيدة التي ستتحمّل المسؤولية كاملة تجاه مثل هذا الفشل المحتمل لتطبيق النظام.

الاعتبار الثاني؛ حول معايير تقدير قيمة الأرض، وفقاً للممارسات الدولية المتبعة، يتم تحديد جهة تتبع للحكومة، تكون متخصصة في تقييم العقارات والأراضي لأغراض الرسوم المقررة على تلك الأصول العقارية. الاعتبار الثالث؛ وهو أحد أهم الاعتبارات اللازمة لتعزيز جدوى نظام الرسوم من عدمه، المتعلق بالبرنامج الزمني المناسب لتطبيق الرسم بشكل تدريجي، المتطلب أن يتم تطبيق الرسوم على الأراضي في أول عامٍ من فترة التطبيق على ما لا يقل عن 30 مدينة من حيث عدد السكان، ثم يُستكمل التطبيق على بقية المدن الأخرى في ثاني عام، الذي بدوره سيحمي السوق العقارية من أي آثار قد تتسبب في زعزعة استقرار الأسعار، واحتمالية تباينها الكبير بين المناطق المشمولة بالرسوم وغير المشمولة وقت بدء تطبيق الرسوم، ويقلّص كثيراً من انتقال الأموال من المناطق المشمولة بالرسوم إلى الأخرى غير المشمولة بالرسوم.

الاعتبار الرابع؛ المتعلّق بتطبيق نظام الرسوم على الأراضي البيضاء كافّة داخل النطاق العمراني الواحد لكل مدينة مستهدفة، أن يتم التعامل معها بنفس آلية الاعتبار السابق، فلا يُسمح بوجود أي استثناءات تذكر بين الأراضي لذات الأهداف المذكورة أعلاه، ومنعاً أيضاً لأي آثار سلبية تم التطرّق إليها.

الاعتبار الخامس؛ حول المهلة الزمنية المفترض منحها للمكلف بدفع الرسوم، هنا يمكن القول إنّ وزارة الإسكان أمام أحد خيارين، إمّا أن تبدأ في تطبيق النظام بصورة قوية وصارمة، أو أن تبدأ في تطبيقه ضعيفا هشّا، وحتى تنجح في تحقيق الغاية الأولى “تكفل القوة للنظام”، يجب ألا تتجاوز مهلة تطوير الأرض فترة “العام الواحد” من تاريخ بدء التطبيق الفعلي للنظام في مطلع شهر رمضان المقبل، على أن يؤخذ بعين الاعتبار مساحة الأرض، بحيث يُمنح المكلفون من ملاك الأراضي ذات المساحات الأدنى من 100 ألف متر مربع مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وتزيد مهلة شهر واحد فقط لكل مائة ألف متر مربع زيادة، وهكذا حتى تصل اللائحة إلى مساحة 1.0 مليون متر، وما زاد على ذلك فلا تتجاوز المهلة حد السنة الواحدة “12 شهراً فقط”، على أنّه يجب الأخذ بعين الاعتبار، أنّه في حالة التصدّي لأرض مساحتها على سبيل المثال مليونا متر مربع، أن يبدأ تطبيق الرسوم على أول 100 ألف متر مربع منها بعد منحها مهلة ثلاثة أشهر، وبمهلة شهر إضافي بالنسبة إلى 100 ألف متر مربع الثانية، وهكذا يتم التعامل مع بقية مساحة الأرض بناءً على الآلية المقترحة للتطبيق، على ألا تتجاوز سقف العام الواحد.

الاعتبار السادس؛ المتعلق بالضوابط اللازمة لمنع التهرب من دفع الرسوم على الأراضي، وهل يُربط تنفيذ أي تعاملات تتعلق بالأرض “بيع أو رهن أو رخص بناء” أو بصاحبها “رخص أو غيرها من خدمات عامة” بالتسجيل وبسداد الرسم وما قد يلحق به من غرامات؟ هنا تقع أهم ركيزة تكفل لنظام الرسوم هيبته اللازمة والكافية من عدمها، والمقترح في هذا الشأن أن يتم تكليف مراقبة مكوّن من أكثر من وزارة لها علاقة بتحصيل الرسوم على الأراضي، منعاً لوجود أي اختراقات محتملة أو تورّط أي أطراف في عمليات فساد ممكنة، لعل من أهم تلك الجهات الحكومية اللازم وجودها في هذا الفريق التنفيذي الرقابي وزارات الداخلية والعدل والمالية والبلدية والشؤون القروية وهيئة مكافحة الفساد.

الاعتبار السابع؛ يتعلق بآلية تحديد معامل توافر الخدمات العامة للأراضي ووصول المرافق إليها، بين من يرى عدم تطبيق الرسوم على الأراضي غير المشمولة بتوافر كل أو بعض تلك الخدمات، وفريق آخر يرى أهمية شمولها بالرسوم بغض النظر عن وجود هذه الخدمات أو بعضها من عدمه، والرأي الثاني يُعد الخيار الأنسب الأخذ به تجاه حجم الأزمة التنموية الكبيرة التي يعانيها الاقتصاد والمجتمع، والدليل الواضح على أهمية هذا الرأي، وأنّه يحقق الهدف الرئيس من إقرار نظام الرسوم، أنّ التضخم في أسعار الأراضي شمل جميع الأراضي، ولم يفرّق بين الأراضي المشمولة بالخدمات من عدمه، كنتيجة لتجذّر التشوهات في السوق بصورة خطيرة، وهي الحالة المستعصية التي لم تعد تخفى على أي فرد من المجتمع. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.