أخيراً.. رقم قياسي لأسعار العقارات

صرح بالأمس رئيس الهيئة العامة للإحصاء لإحدى الصحف المحلية، أن الهيئة تعمل في الوقت الراهن على إصدار رقم قياسي لأسعار العقارات في المملكة خلال فترة قريبة، بالاعتماد على تكوين قاعدة بيانات إحصائية لقطاع العقارات، الذي بدوره سيدعم متخذي القرار وتلبية احتياجات الدولة من تلك البيانات، وأن الرقم القياسي للعقارات يستند إلى واقع السجلات الإدارية المتوافرة في قاعدة البيانات لدى وزارة العدل، ما يسهم في إصدار التقارير والنشرات الإحصائية المتعلقة بأسعار العقارات، وتحقيق متطلبات مجموعة العشرين الدولية، وسد فجوة البيانات، وتلبية متطلبات جميع المستفيدين للبيانات العقارية. كما ستعمل الهيئة العامة للإحصاء بالتكامل مع الشركاء جميعا للاعتماد على السجلات كبديل عن المسح الميداني، حيث ستقوم وزارة العدل بتزويد الهيئة بجميع بيانات الصفقات العقارية بصورة دورية ومنتظمة، يمكن من خلالها إصدار المؤشرات العقارية اللازمة لأجل تحقيق المتطلبات الدولية والإقليمية والداخلية.

يمكن القول هنا عن تحقق هذا المشروع المعلوماتي البالغ الأهمية، إنه سيكون أحد أهم المشروعات التنموية والحيوية التي ستنفذها الهيئة العامة للإحصاء، لتسد بذلك واحدة من أكبر الفجوات المعلوماتية محليا حول السوق العقارية، التي طالما عانى المخطط الاقتصادي والمستثمر والمراقب والمختص الافتقار إليها، وفي رأيي أن نجاح الهيئة العامة للإحصاء في هذا الخصوص، سيسجل كأحد أهم إنجازاتها خلال عمرها المديد، ويؤمل أن يتقدم عمل الهيئة في هذا الجانب المهم جدا، بما يحقق أعلى درجات الكفاءة المعلوماتية حول تطورات ونشاط إحدى أضخم الأسواق المحلية ممثلة في السوق العقارية، وأن تأتي المعلومات والمؤشرات القياسية شاملة وواسعة، لتغطي المدن والمحافظات كافة، وأن تأتي أكثر تفصيلا على المستوى الداخلي لكل مدينة ومحافظة، وأن تتفرع أكثر تفصيلا على مستوى أنواع الأصول العقارية باختلاف أنواعها، وأن تغطي أطول فترة زمنية ممكنة، وأن تأتي فترات قياسها متقاربة ومتنوعة (يومي، أسبوعي، شهري، ربع سنوي، سنوي).

كما يمكن للهيئة العامة للإحصاء أن تطور مشروعها المعلوماتي العقاري هنا، بالاعتماد على التطبيقات والبرمجية الحديثة المتقدمة، فتقوم لأجل هذا الهدف بتطوير تطبيق عقاري متقدم، يمكن من خلاله للمستفيد (شركات تمويل وتطوير عقاري، مؤسسات بحثية، مستثمرين ومختصين، أفراد) الاعتماد عليه في معرفة اتجاهات السوق العقارية والأسعار، وهو الجانب الذي يمكن للهيئة العامة للإحصاء أن توفر لها من خلاله مصدر تمويل مالي جيد، بحيث تقدم جزءا واسعا من تلك المعلومات دون مقابل مادي، وتقديم تفاصيل أكثر قد تهم مؤسسات التمويل وشركات التطوير العقاري والمستثمرين والمراقبين أكثر من غيرهم من الفئات بمقابل مادي، وهو ما سيحقق نوعا من التوازن المطلوب في هذا الشأن، فلا تتأخر الهيئة من جانب في تقديم المعلومات اللازمة والمجانية حول السوق العقارية، كونه أحد مهامها ومسؤولياتها حصرا عليها، وفي جانب آخر يمكن لها فيما يتعلق بالمعلومات التفصيلية والهائلة، التي تهم العاملين في المجال العقاري تمويلا وتطويرا أكثر من غيرهم من الفئات، بمقابل مادي غير مكلف على المستفيدين، ويحقق في الوقت ذاته مردودا ماديا جيدا للهيئة يتم توظيفه في مجال تطوير قدراتها وتوسيع خدماتها على هذا الجانب التنموي الحيوي.

بكل تأكيد؛ يأتي نجاح هذا المشروع المعلوماتي المهم جدا، ليسد فراغا معلوماتيا يتعلق بالسوق العقارية، تسبب خلال الأعوام الماضية في تكريس تشوهات السوق، لعل من أكثرها خطرا تسببه في تشكل الفقاعة السعرية العقارية، التي أدت كما نرى اليوم ومنذ عدة أعوام إلى تشكل الأزمة الإسكانية المحلية، ذلك أن (عدم توافر المعلومات، وعدم عدالة توافرها لدى أطرافها كافة)، يمثل كما سبق طرحه في أكثر من مقال ومقام سابق، واحدا من ثلاثة عوامل تتسبب في تشكل الفقاعة السعرية في أي سوق كانت، وذلك إضافة إلى العاملين الآخرين، المتمثلين في (زيادة تدفق رؤوس الأموال الباحثة عن فرص مجدية للاستثمار والمتاجرة)، وفي (الزيادة المفرطة في صنع الائتمان المحلي). وإن من أهم وأكثر الخطوات أولية لأجل معالجة مثل تلك الأزمات، والأزمة العقارية والإسكانية على وجه الخصوص، تبدأ خطواته الجادة من السيطرة والتحكم في تلك العوامل التي أدت إلى تفاقم الأزمة العقارية ممثلة بالدرجة الأولى الفقاعة السعرية، وما نتج عنها من أزمات إسكانية ومعيشية لم تعد تخفى على أحد.

لقد بادرت وزارة العدل مشكورة بإصدار البيانات والمؤشرات العقارية (يومية، أسبوعية، شهرية، ربع سنوية، سنوية) لجميع أحياء ومدن المملكة ومناطقها الرئيسة، لتوفر للسوق والاقتصاد الوطني ثروة من المعلومات والإحصاءات، التي طالما عانى المراقبون والمتخصصون غيابها، عدا المعاناة الأكبر التي كابدها المواطنون جراء الغياب التام لأية معلومات توفر لهم أهم ركائز اتخاذ قرارات الشراء والبيع. الآن سيتبع هذا الجهد والتقدم من قبل وزارة العدل، جهد آخر لا يقل أهمية عنه ممثلا في إصدار الهيئة العامة للإحصاء للأرقام القياسية العقارية، ستساعد كثيرا في معرفة اتجاهات الأسعار في السوق العقارية المحلية، بحيث يمكن استنباط مؤشرات لا حصر لها من خلال ما توفره وزارة العدل من بيانات ومعلومات حقيقية من داخل السوق، كأن يصبح لدينا مؤشر عقاري لكل مدينة من مدن المملكة، تقوم آلية احتسابه على قياس التغيرات السعرية حسب العقار (قطعة أرض، عمارة، فيلا، شقة، معرض/محل، بيت، مرفق، أرض زراعية)، ومن ثم يتوافر لدينا على سبيل المثال، المؤشر العقاري للأراضي بمدينة الرياض، المؤشر العقاري للفلل بمدينة الرياض، وهكذا لبقية أنواع العقارات ولجميع مدن المملكة. ويمكن أيضا استنباط مؤشرات للأنواع نفسها على مستوى مدن المملكة كافة، كأن يصبح لدينا المؤشر العقاري للأراضي في المملكة، والمؤشر العقاري للشقق أو الفلل في المملكة، وغيره الكثير من المؤشرات العقارية الممكن توفيرها بكل يسر وسهولة للمواطنين والمراقبين والمختصين.

كل هذا يؤمل معه بمشيئة الله تعالى، أن يؤدي إلى سد الغياب المعلوماتي الراهن حول ما يجري من تطورات وتغيرات في السوق، ما سيضعها في الإطار المعلوماتي الصحيح أمام الجميع، الذي تبنى عليه التقييمات الحقيقية لا المزيفة لأوضاعها، لتغلق بذلك نافذة طالما تسرب منها الكثير من الآثار السلبية على السوق العقارية والاقتصاد الوطني، وما الأزمة الإسكانية الراهنة إلا إحدى نتائجها.

ختاما؛ يتمنى الجميع للهيئة العامة للإحصاء كل التوفيق على مستوى هذا المشروع، وأن يرى النور على وجه السرعة في أقرب وقت ممكن، وكما هو مأمول من حيث الشمولية والفترة الزمنية اللازمة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.