كيف نمنع أكبر تهرب من رسوم الأراضي؟

سيبدأ بعد أسبوع بالتمام والكمال من تاريخ “نفاذ” نظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل حدود النطاق العمراني، الذي تم إقراره لأجل تحقيق الأهداف الثلاثة التالية: 1) زيادة المعروض من الأراضي المطورة بما يحقق التوازن بين العرض والطلب. 2) توفير الأراضي السكنية بأسعار مناسبة. 3) حماية المنافسة العادلة، ومكافحة الممارسات الاحتكارية.

ينتظر خلال الأيام القليلة المقبلة، إعلان اللائحة التنفيذية للنظام، التي سيتم بموجب موادها البدء في التطبيق الفعلي للرسوم على الأراضي البيضاء، ويؤمل أن يؤدي البدء بتطبيق هذا النظام المنتظر لعدة أعوام طويلة، إلى إيجاد حلول مجدية وفعلية لأزمة الإسكان المحلية، وأن تنجح بالتزامن مع بقية برامج الحلول الأخرى للأزمة في الخروج منها في أسرع وقت ممكن، وأن تتحقق احتياجات الأفراد والأُسر في هذا الجانب التنموي البالغ الأهمية والحساسية.

لقد حملت ولادة نظام الرسوم على الأراضي البيضاء الكثير من المشاق والتحديات، وظل يجاهد سنوات طويلة بين شد وجذب حتى أصبح حقيقة واقعة لا جدال حولها، إلا أن الأزمة الإسكانية والتشوهات الكامنة في السوق العقارية “سوق الأراضي”، تفاقمت بصورة خطيرة طوال تلك السنوات التي استغرقها الجدال حول جدوى إقرار الرسوم على الأراضي من عدمه، بما يمكن التأكيد على أن الأزمة الإسكانية والعقارية في الوقت الراهن، تعد أكثر صعوبة وتعقيدا مما كانت عليه قبل عدة سنوات، أو في التاريخ الذي بدأت فيه اقتراحات فرْض الرسوم على الأراضي.

ما يعني أن الصرامة التي يجب أن يكون عليها نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، يجب أن تأتي على قدر التحديات والتشوهات الراهنة في السوق، لا أن تأتي أدنى منها أو أضعف، وإلا فإن عواقب هذا الضعف المحتمل ستكون أسوأ بكثير مما شهدته الأزمة طوال العقد الماضي! والحديث هنا لم يعد عن إقرار الرسوم على الأراضي من عدمه، فقد أصبح واقعا لا هروب منه، إنما يتركز الحديث هنا على وجه الخصوص على مضمون مواد كل من النظام واللائحة التنفيذية للرسوم على الأراضي؛ إما أن تأتي قوية حازمة بما يحقق الأهداف التنموية التي لأجلها أقرت، وبما يؤهلها فعليا لمواجهة آثار الأزمة الإسكانية والعقارية الراهنة، وبما يحد من تفاقمها مستقبلا بأخطر مما وصلت إليه الآن. أو أن تأتي أدنى من كل ذلك لأي سبب كان، ما سيؤدي بصورة فورية إلى فتح الطريق أمام أشكال الأزمة التنموية تلك على مصراعيه، ويدفع بها إلى التفاقم والتوسع إلى درجات من الخطورة لا قبل لأحد من الأطراف ذات العلاقة بمواجهتها، مهما كانت قدرته أو قوته. لهذا يعقد الأمل في الأيام القليلة التي تسبق البدء الفعلي بتطبيق نظام الرسوم على الأراضي، أن تتسم بالقوة والحزم اللازمين، وأن تكون كل هذه الاعتبارات قد أخذت في عين الاعتبار من قبل اللجنة الوزارية التي عملت على إعداد اللائحة التنفيذية للنظام.

النقطة الرئيسة هنا، ليست للتحذير من التهرب من نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، كون كل من النظام واللائحة التنفيذية قد وضعوهما في الاعتبار، بل إن كل التحذير أن تتضمن اللائحة التنفيذية منهجية تسوغ نظاميا دون فهم وإدراك للعواقب، القدرة الكاملة على التهرب من تطبيق النظام عليه، وتحريره بشكل كامل من الالتزام به، ودخوله منطقة الأمان من العقوبات والجزاء الرادع، ونتيجة كل ذلك أن نظام الرسوم قد بقي بعيدا عن معالجة أسباب الأزمة الإسكانية والعقارية، وأن المتورطين في تلك الأسباب قد ضمنوا السلامة والأمان من أدوات النظام، ولا يظن أحد هنا أن الوضع سيبقى على ما هو عليه، بل سيذهب إلى أبعد ما نراه اليوم من تحديات وتشوهات وتعقيدات تنموية لا قبل لنا بها.

من أخطر تلك النوافذ المشرعة للهروب، التي يجب الحذر منها، ما سبق أن تمت مناقشته في ورشة وزارة الإسكان التي عقدتها قبل عدة أشهر في مدينة الرياض، حول هل يتم تطبيق الرسوم على الأراضي الخام والمطورة بتوافر بقية الشروط، أم تطبيقها فقط على الأراضي الخام؟ أؤكد أن قاعة الورشة قد ضجت بمعارضة أغلب المشاركين في تلك الورشة، الذين كانوا تجار تراب وعقاريين لتطبيقها على الأراضي المطورة، والاكتفاء بتطبيق النظام فقط على الأراضي الخام، وهو بالفعل إن تم كما أرادوا؛ فهذا يعني تماما وبنسبة 100 في المائة، أن نظام الرسوم على الأراضي البيضاء قد تم تعطيله بالكامل. كيف؟

سيصبح في مقدرة ملاك وتجار التراب تحت هذه الصيغة، تحمل تكلفة تطوير ما يمتلكونه من أراض داخل النطاق العمراني (التكلفة ستكون أقل من تكلفة دفع الرسوم)، ومن ثم الإبقاء عليها بعيدة عن الانتفاع والاستخدام والتداول بيعا وشراء، وبهذا تبقى أسعارها المتضخمة كما هي، وتبقى ملكيتهم واحتكارهم لتلك الأراضي كما هي، وتستمر الأزمة الإسكانية والعقارية كما هي، وتبقى قبل كل ذلك بعيدة كل البعد عن سطوة نظام الرسوم على الأراضي.

ولندرك جيدا الخطر الكبير لاستثناء الأراضي المطورة المحتكرة النطاق العمراني من تطبيق نظام الرسوم عليها، والاكتفاء فقط بتطبيقه على الأراضي الخام، يكفي ملاك تلك الأراضي الخام أن يقوموا بتطويرها “سفلتة، تخطيط، تهيئة بنى تحتية لمخططاتها” بتكلفة أقل من تكلفة دفع رسوم الأراضي عليها إلى الدولة، لتصبح بذلك أراضي مطورة! وعليه سنجد أنفسنا بعد أقل من عام إلى عامين أمام مساحات شاسعة من الأراضي السكنية المطورة المحتكرة داخل النطاق العمراني، إلا أن الجديد “أو نافذة الهرب الرسمية لها” هو إعفاؤها من تطبيق الرسوم عليها! وكأن أبو زيد لم يغز أبدا.

إن التورط في إعفاء الأراضي والمخططات المطورة من الرسوم، والسماح لملاكها وفرق المضاربين عليها بتدوير الأموال الطائلة عليها شراء وبيعا، والسماح أيضا باستمرار تملك واحتكار تلك الأراضي دون قيد أو شرط حتى يتم بيعها بالأسعار التي يحددها أولئك الملاك فقط، يعني أمرا واحدا لا يوجد غيره، أن نظام الرسوم على الأراضي تم تحييده وتعطيله، مقابل التفعيل الكامل لرغبة من تسبب حصريا في افتعال وصناعة الأزمة الإسكانية والعقارية المحلية، وهنا لن يحار المرء كثيرا في البحث عن المنتصر؛ هل هو النظام أم المتسبب في حدوث أزمة الإسكان؟! والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.