تكلفة حل أزمة الإسكان

يرى البعض أن أهم حلول أزمة الإسكان المحلية هو زيادة حجم وقنوات التمويل العقاري، أي ضخ مزيد من القروض العقارية في حسابات الباحثين عن تملك مساكنهم، ويبرر هذا الفريق توجهه هنا بكثير من المبررات، لعل من أهمها أن التمويل العقاري لدينا متدن جدا، وإن نسبته التي لا تتجاوز 7.7 في المائة إلى الناتج المحلي الإجمالي (2015)؛ تعد من أدنى النسب عالميا، وعليه دون النظر إلى بقية أسباب أزمة الإسكان كتضخم الأسعار السوقية للأراضي والعقارات، الناتج بنسبة كبيرة جدا عن سيطرة الاحتكار والمضاربة على الأراضي، أي نتيجة سيطرة شبه كاملة لتشوهات هيكلية لا علاقة لها بالعوامل الاقتصادية والمالية، كان قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء المحتكرة لأعوام طويلة دون تطوير؛ إحدى أدوات معالجتها، يؤكد ذلك الفريق المنادي بزيادة التمويل العقاري دون النظر لتلك الأسباب، على أن هذا أهم وأول الحلول من وجهة نظرهم، وبالطبع يرونه أيضا أول أسباب تفاقم أزمة الإسكان الراهنة.

بالاعتماد على البيانات الرسمية المتوافرة حول أزمة الإسكان، يوجد في الوقت الراهن نحو 1.5 مليون طالب سكن، يقدر أن يقفز هذا الرقم إلى الضعف خلال أقل من عقد قادم، وتخطط وزارة الإسكان بدورها بالمشاركة مع القطاع الخاص لضخ 1.5 مليون وحدة سكنية جديدة خلال الأعوام الثمانية القادمة (يخطط أن تشكل الشقق السكنية النسبة الأكبر منها)، وهو العدد الذي يضاف إلى الوحدات السكنية الشاغرة في المرحلة الراهنة البالغ نحو 1.5 مليون وحدة سكنية، إذا اقتصر العدد على الملائم منها للسكن، يمكن أن يصبح إجمالي الوحدات السكنية الشاغرة الآن والجديدة قبل نهاية عقد قادم نحو 2.6 مليون وحدة سكنية جديدة.

الآن، لنمضي قدما مع رأي الفريق المنادي بزيادة ضخ القروض العقارية، التي لا تمانع أبدا أن ترتفع الأسعار السوقية للأراضي والعقارات؛ كونها في الأصل غير متضخمة على حد زعمها، بل إنها حسب رأيهم تعتبر الأرخص عالميا وإقليميا! ولنمض مع هذا الفريق وفق احتمالين، الأول بافتراض ثبات الأسعار السوقية الراهنة، والاحتمال الثاني بافتراض نمو الأسعار السوقية بمتوسط 10 في المائة سنويا.

رغم أن الاحتمال الأول من المستحيل أن يتحقق، ذلك أن الأسعار السوقية ستنفجر ارتفاعا للأعلى؛ في حال تم فتح نوافذ التمويل العقاري على مصارعها دون قيد أو شرط، ومع افتراض استدامة التشوهات الراهنة في السوق العقارية المحلية، إلا أننا سنستقرأ هذا الاحتمال للتعرف على حقيقته، للتأكد من جدوى رأي المطالبين بزيادة التمويل العقاري. يقتضي هذا الاحتمال أن تبدأ المصارف ومؤسسات التمويل المحلية بالضخ سنويا نحو 173 مليار ريال كقروض عقارية (70 في المائة من إجمالي القيمة السوقية للعقارات)، أي يقدر أن يصل مجموع تلك القروض العقارية على كاهل أفراد المجتمع خلال عقد قادم إلى أكثر من 3.3 تريليون ريال (بافتراض فائدة سنوية 3.0 في المائة لمدة 15 عام فقط)! علما أنه وفقا لهذا الاحتمال المستبعد تحققه، يتوقع أن يصل إجمالي القيمة السوقية لكامل الوحدات السكنية (2.6 مليون وحدة سكنية) إلى أكثر من 3.2 تريليون ريال! سآتي بعد قليل على هل يمكن تحقق هذا أم لا؟

الآن آتي للاحتمال الثاني؛ هنا يقتضي الأمر لامتصاص عروض بيع العقارات تدريجيا خلال عشرة أعوام قادمة، مع افتراض نمو الأسعار السوقية بمتوسط 10 في المائة سنويا، أن يرتفع ضخ القروض العقارية للأفراد الباحثين عن تملك مساكنهم بدءا من السنة الثانية إلى 207 مليارات ريال سنويا، إلى أن يصل في السنة العاشرة لأعلى من 345 مليار ريال سنويا، ليصل إجمالي القروض العقارية على كاهل أفراد المجتمع بنهاية العقد القادم لنحو خمسة تريليونات ريال (بافتراض فائدة سنوية 3.0 في المائة لمدة 15 عاما)! وبلوغ إجمالي القيمة السوقية لكامل الوحدات السكنية (2.6 مليون وحدة سكنية) نحو 6.5 تريليون ريال!

هذه هي النتيجة الختامية المتحفظة جدا لرأي المطالبين بضخ التمويل العقاري، والتغاضي تماما عن تضخم أسعار الأراضي والعقارات بصورته الراهنة، فهل يمكن تحققه على أرض الواقع؟ وإن تحقق رغم استحالة تحققه لعدم قدرة المصارف ومؤسسات التمويل على توفير هذه القروض العقارية الهائلة من جهة، واستحالة اقتراض الأفراد لهذا القدر الهائل من القروض قياسا على مستويات أجورهم وحجم القروض السابقة عليهم، إضافة إلى حجم الالتزامات المالية الأخرى عليهم، أقول رغم كل ذلك كيف ستكون الأوضاع الاقتصادية والمعيشية انعكاسا لهذا السيناريو المرعب؟ وإن لم يتحقق كما هو محتمل قياسا على الظروف الراهنة اقتصاديا وماليا؛ فأي شكل من أشكال أزمة الإسكان سنواجه في مستقبل العشر سنوات القادمة؟

إنها أسئلة محورية يجب الإجابة عنها اليوم قبل أن تطل بحقائقها على أرض الواقع في الغد القريب، رغم وعورة ورهبة مسالكها التي تصل إلى درجة مرعبة إن هي مضت على ما تم ذكره أعلاه أو حتى أدنى منه بأي نسبة كانت، وأول من يجب عليه الإجابة عنها هو وزارة الإسكان قبل غيرها! لا تنتظر أبدا إجابة من المنادين بزيادة القروض العقارية، ففي هذه الخانة الضيقة والحرجة جدا؛ لن تسمع لهم ركزا! ولا تنتظر حتى إجابة من الأطراف الجاثمة خلف هذا التضخم الرهيب في أسعار الأراضي والعقارات، فكل ما يعنيها هنا أن تبيع بضاعتها بالأسعار التي تريدها، عدا ذلك لا يعنيها الأمر من قريب أو بعيد.

ليس هذا المقال لأجل تسجيل أي رفض للتمويل العقاري كأحد الحلول اللازمة، بل إنه إحدى الأدوات التي لا غنى عنها في هذا المقام، لكن وفق ضوابط وآليات متكاملة لا متناحرة ومتضادة، وأن يأتي بالمستوى المعقول والمقبول الذي لا ضرر معه ولا ضرار، ولا يخلف وراءه كوارث لا طاقة لنا بها جميعا، بدءا من أفراد المجتمع الذين يسعون في الأرض بحثا عن تأمين مسكن ميسر لأسرهم بأسعار تتوافق مع دخلهم وقدرتهم، وانتهاء بمقدرات الاقتصاد الوطني من قطاع تمويلي وغيره من الأجهزة ذات العلاقة.

انظر إلى كفتي المعادلة هنا واكتشف؛ من هذه الأطراف التي يراد أن تقبض ثمنا قد يصل إلى 6.5 تريليون ريال كتكلفة لحل أزمة الإسكان من جهة، ومن جهة أخرى من سيتورط بدفعها وفق أكثر الطرق وعورة من أفراد المجتمع ومؤسسات تمويلية.

هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ وهل يوجد خيارات أخرى؟ والإجابة بكل اختصار؛ (لا) على الإطلاق بالنسبة للسؤال الأول، و(نعم) بالنسبة للسؤال الثاني، وهو ما سيكون حوله الحديث بالتفصيل في المقال القادم بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.