مواجهة “نطاقات الموزون” للبطالة

إنها المواجهة الأكثر تحديا بكل ما تعنيه الكلمة بالنسبة لبرنامج التوطين المطور “نطاقات الموزون” في وجه البطالة، التي دون مبالغة؛ تتجاوز درجة الإنجاز الواحدة فقط منها على الطريق الشاق لمواجهة البطالة عشر خطوات أو أكثر، مقارنة ببرامج التوظيف السابقة.

يكمن الاختلاف في البرنامج المطور الذي تزمع وزارة العمل والتنمية الاجتماعية العمل به، مقارنة بما سبقه من برامج للتوطين، أنه سيأخذ في اعتباره عوامل جديدة، يأتي في مقدمتها وهو العامل الأهم متوسط أجور السعوديين في المنشأة، ونسبة توطين النساء في المنشأة، والاستدامة الوظيفية للسعوديين، ونسبة ذوي الأجور المرتفعة منهم. كل عامل من تلك العوامل يشكل وزنا نسبيا أثقل كاهل منشآت القطاع الخاص، التي نجح الكثير منها في تجاوز برامج التوطين السابقة منذ 2011 إلى وقت قريب، وشهدت سوق العمل المحلية انخفاضا كبيرا لأعداد المنشآت الواقعة في النطاقين الأحمر والأصفر، امتزج هذا التحول الكبير بارتفاع ما يسمى التوظيف الوهمي للعمالة الوطنية، وفسر في جانب كبير منه طوال الفترة 2011-2015 على أنه ارتفاع لمعدلات توظيف العمالة الوطنية، في الوقت ذاته الذي تجاهلت مؤشرات تقييم الأداء آنذاك؛ تورط الكثير من منشآت القطاع الخاص في التوظيف الوهمي، أو التوظيف غير المنتج كما تصنفه وزارة العمل والتنمية الاجتماعية في تقاريرها الدورية، وفي كل الأحوال فهو توظيف لا يقدم شروى نقير في مجال تحسين الظروف المعيشية للأفراد، ولا حتى على مستوى رفع القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.

ودون الخوض في جدل عقيم حول ماذا كانت ستكون عليه نتائج سياسات وبرامج التوطين السابقة، لو أنها بدأت بالعمل وفق منهجية البرنامج المطور “نطاقات الموزون” أول ما بدأت مطلع 2011؟ المؤكد أن النتائج كانت ستختلف 100 في المائة عما نواجه في الوقت الراهن، لعل من أبرز تلك الاختلافات؛ أن معدلات التوطين كانت ستكون أدنى مما هي عليه اليوم، لخلوها شبه التام من شحوم التوظيف الوهمي، وفي الوقت ذاته كان محتملا أن يكون معدل البطالة اليوم أعلى من مستواه الراهن، كل هذا كان محتملا حدوثه دون أدنى شك في حال تم العمل فقط وفق منهجية “نطاقات الموزون”، فلا يوجد أي نتائج سريعة براقة تقف خلف هذه المنهجية! أمام كل ذلك؛ كان محتملا القيام آنذاك بأحد أمرين أو خيارين، الخيار الأول: أن يتم ابتكار برامج وسياسات مساندة لنطاقات الموزون في تلك المرحلة، وهو ما كان موضوع ومقترح العديد من الكتابات والطروحات خلال الفترة 2011-2012، سواء من قبلي أو قبل العديد من الكتاب، وقبل كل ذلك كان مقترح الاستراتيجية السعودية للتوظيف، التي اجتمعت خلالها الآراء في تلك المرحلة المبكرة على ضرورة تزامن إصلاح تشوهات سوق العمل المحلية، مع إصلاح تشوهات الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص على وجه الخصوص، التي كانت أحد أكبر الأسباب التي أفضت إلى ضعف الاعتماد على العمالة الوطنية، وفي الوقت ذاته زيادة الاعتماد على العمالة الوافدة، إلا أن أيا من ذلك أو حتى بعضا منه، لم يحدث بكل أسف. يعاب على هذا الخيار أنه رغم موثوقية نتائجه قوتها ومتانتها، وارتفاع تكلفة وجهود تنفيذه مقارنة بما تم العمل به، أن نتائجه ستأتي أدنى بكثير من حيث البريق واللمعان وسرعة التحقق.

الخيار الثاني: الأخذ بمعايير أقل صعوبة، وأسهل تنفيذا، بالتركيز فقط على النتائج الكمية، دون التدقيق في تفاصيلها، كأن نبحث في حقيقة التوظيف هل هو حقيقي أو وهمي، لا يهم وفقا لهذه المعايير الخفيفة الوزن، ليتم التركيز على نسب التوطين فقط، وبناء عليها يمكن تقييم موقف كل منشأة في قطاع الأعمال، وهو ما حدث بالفعل خلال 2011-2015، احتفل الجميع بنتائجه البراقة والسريعة، إلا أنه سرعان ما خفت بريقه كثيرا، وفي الوقت ذاته أظهر عجزا حقيقيا في استمرارية قدرته على التوظيف الحقيقي للعمالة الوطنية، وفي الوقت ذاته عجز عن إيقاف نمو الطلب على العمالة الوافدة، وما ذلك إلا لأنه حمل في أحشائه منذ لحظة ولادته: (1) معايير أداء لا ولم تلمس أو تعالج أصل التشوهات في السوق والاقتصاد. (2) معايير أداء سهلة التنفيذ عن طريق التوظيف الوهمي، إلا أنها في الوقت ذاته فتحت بتحققها إمكانية أكبر للاستقدام بصورة أوسع، ولهذا شهدنا علاقة طردية تشكلت في سوق العمل، أنه كلما ازداد التوظيف الوهمي ازداد الاستقدام من الخارج!

مضينا جميعا في طريق الخيار الثاني حتى اصطدمنا بنهايته، لنجد أنه لا خيار أمامنا إلا بالعودة إلى الخيار الأول، وهو الخيار الأكثر أمانا وواقعية من حيث النتائج، إلا أنه الأقل بريقا ولمعانا في الوقت ذاته، وفي الوقت ذاته الأقل كما من حيث حجم النتائج. والطريق على أنه سيكون أكثر صعوبة الآن ومستقبلا تحت الظروف الاقتصادية غير المواتية خلال المرحلة الراهنة وفي المستقبل القريب، إلا أنه الطريق الذي سيحمل لنا نتائج أكثر جدوى وقيمة في ميزان محصلتها النهائية، حتى إن كانت غير مغرية في البداية أو حتى بعد عام أو عامين من تاريخ اليوم، ذلك أنها ستدفع في الأجلين المتوسط والطويل إلى خضوع منشآت القطاع الخاص، للاستجابة للإصلاحات اللازمة عليها، فتتخلص من الاعتماد الكبير على عقود مناقصات الدولة أو الاستيراد بالجملة من الخارج والبيع بالتجزئة في السوق المحلية، لتتحول إلى تنويع خطوط إنتاجها والاعتماد بصورة أكبر على الإنتاج، والتكيف بصورة أكبر مع بيئة محلية أعلى تنافسية، وأقل اعتمادا على الدعم الحكومي، وهو طريق شاق جدا على الجميع، قد يسقط في طريقه الوعر العديد من منشآت القطاع الخاص، ما قد يترتب عليه فقدان الكثير لوظائفهم، إلا أنه في الوقت ذاته منعطف إصلاحي لا بد من المرور به مهما كانت النتائج مؤلمة، ما قد يوجب اتخاذ تدابير حكومية مساندة مرحليا لأكبر عدد ممكن من منشآت القطاع الخاص، وتحفيز منشآت أخرى سواء لولادتها أو لتوسع القائم منها، وتقنين تلك التدابير الداعمة والمساندة وفقا لمساهمتها في تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وقدرتها على إيجاد فرص عمل جديدة عالية التأهيل والدخل للمواطنين والمواطنات.

إن النظر إلى نطاقات الموزون ضمن دائرة أوسع من برامج التحول الاقتصادي المزمع تنفيذها، سيتيح لنا جميعا منحه الثقة الكاملة به وبغيره من البرامج، شرط أن يكمل بعضها بعضا، وأن تتضافر جهودها ونتائجها في منظومة عمل تكاملية، تستهدف مواجهة البطالة وغيرها من التحديات التنموية الراهنة والمحتملة مستقبلا، وهو ما سيتركز الحديث عنه بمشيئة الله تعالى في الجزء الثاني لهذا المقال بعد غد الأربعاء. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.