معالجة تشوهات الاقتصاد ثم البطالة

استكمالا للمقال الأخير “مواجهة نطاقات الموزون للبطالة”، الذي تزمع وزارة العمل والتنمية الاجتماعية تطبيقه، واعتماد معايير جديدة لقياس معدلات التوطين في منشآت القطاع الخاص، يتقدمها متوسط أجور السعوديين في المنشأة، ونسبة توطين النساء في المنشأة، والاستدامة الوظيفية للسعوديين، ونسبة ذوي الأجور المرتفعة منهم.

إن وعورة قصوى في طريق تطبيقه، تنتظر دون شك “نطاقات الموزون” في الوقت الراهن ومستقبلا، وعناء كبيرا قد يترتب عليه عودة شريحة كبيرة من منشآت القطاع الخاص من النطاق الأخضر، إلى أحد النطاقين الأصفر أو الأحمر لاختلاف معايير التوطين، وارتفاع سقف تلبيتها على عكس ما سبقه من برامج للتوطين، تمكنت أغلب منشآت القطاع الخاص بالاعتماد على عدد من الطرق والأدوات من تجاوز معاييرها الأسهل، سواء عن طريق السعودة الحقيقية وهي الأقل حظا، أو عن طريق السعودة الوهمية وهي الأعلى كعبا.

وكما شهدنا عددا ليس بالهين من منشآت القطاع الخاص، وتحديدا الصغرى والمتوسطة الحجم منها، تغادر بيئة الأعمال خلال الأعوام الأخيرة وتغلق نشاطاتها، نتيجة عدم قدرتها على الوفاء بمتطلبات برامج توطين لا تقارن صعوبتها بصعوبة “نطاقات الموزون” القادم، فما بال قطاع الأعمال اليوم وغدا؛ وهو يواجه نمطا تنظيميا أكبر صعوبة وأقوى تأثيرا وأعلى معايير؟ قد يترتب على تطبيقها خروج المزيد من تلك المنشآت من بيئة الأعمال، وإعلان انتهاء نشاطها في السوق المحلية، الذي سيكون إحدى نتائجه ولا شك ارتفاع معدلات البطالة بين المواطنين والمواطنات، في الوقت ذاته الذي قد ينتج عنه مزيدا من التشوهات الاقتصادية الأخرى كزيادة سيطرة بعض المنشآت الكبرى على مختلف نشاطات الاقتصاد المحلي، لتضعف بذلك بيئة المنافسة، وندخل مع هذه التطورات المتوقعة في حلقات مفرغة من التحديات التنموية الأكبر.

كل هذا لا يعني أبدا الارتعاد أو الخوف أو حتى التردد من تطبيق “نطاقات الموزون”، بقدر ما إنه تشديد على التمسك به وبتطبيقه اليوم قبل الغد، والتذكير بأنه كان الإجراء المفترض تطبيقه قبل عدة أعوام كما أوضحت في المقال السابق، وأن تأخر العمل به أفضى إلى ارتفاع تكلفة العلاج كما نشهد وسنشهد مستقبلا. وأن النقاش هنا ينصب على ضرورة تكامل جهود بقية الأجهزة الحكومية وكبرى منشآت القطاع الخاص، لأجل تعزيز وتوطيد معدلات التوطين في سوق العمل المحلية، وأن يتم تسيير “نطاقات الموزون” عبر طريق أكثر رحابة وخيارات، ينضم إليه بقية تلك الأجهزة والمنشآت، وألا تبقى وزارة العمل والتنمية الاجتماعية منفردة وحيدة في وجه تحدياته الأكبر، وإلا فإن النتائج المتوقعة لتطبيق “نطاقات الموزون” على الرغم من أهميته القصوى له، قد تأتي عكس ما كنا نترقبه جميعا، وقد تؤدي لاحقا للضغط على وزارة العمل والتنمية الاجتماعية لتتراجع عنه، أو تخفف من قوة وصرامة معاييره! وهو ما لا يتمناه أي طرف من الأطراف ذات العلاقة بتوطيد الاستقرار الاقتصادي المحلي.

الشاهد من القول هنا؛ أن مشروع التوطين الجديد يتحمل مسؤولية تطبيقه، ومسؤولية نتائجه الصعبة جدا على كاهل الاقتصاد الوطني في الأجلين القصير والمتوسط، أؤكد أن من يتحملها الجميع لا وزارة العمل والتنمية الاجتماعية فقط، ما يعني بالضرورة البدء من الساعة الراهنة بتكامل جهود أجهزة الدولة وكبرى منشآت القطاع الخاص، والتأكيد على أن تأخر أو تخاذل أي من تلك الأجهزة والمنشآت تجاه هذا المشروع، لن تكون أبدا في مأمن من أية نتائج سلبية محتملة في المستقبل القريب، بل سيمسها من الأضرار المحتملة جانبا ليس بالهين، ما يعني بالضرورة القصوى أن دعمها وتكامل جهودها مع جهود التوطين المقبلة، يظل أمرا ملزما لا مجرد خيار يمكن القيام به من عدمه، وأن اندفاعها الواجب والمسؤول لأداء تلك المهام والمسؤوليات بالتنسيق الكامل مع وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، فرض عين لا مفر من أدائه مهما بلغت تكاليفه، والتذكر بأن تكاليف التأخر عنه أكبر بكثير، عدا ارتفاع درجة مخاطرها الكبيرة تنمويا واقتصاديا واجتماعيا.

الجيد في خضم هذه الرحلة الشاقة للتوطين، أنها ستسير تحت مظلة رؤية المملكة 2030، وتحت مظلة برنامج التحول الوطني 2020، التي بدورها مجتمعة ستكفل درجة أكبر من التمكين لتلك الأجهزة الحكومية ومنشآت القطاع الخاص، للنجاح وعبور تحديات هذا المشروع وغيره من المشروعات الإصلاحية والتطويرية المستهدف تطبيقها. الأمر الآخر والأهم؛ أن مشروع “نطاقات الموزون” ليس ممكنا تحقيقه، والتغلب عن طريقه على تحدي البطالة، دون أن يخضع الاقتصاد الوطني لإصلاح تشوهاته الكبيرة الراهنة، التي شهدنا جميعا كيف اصطدمت برامج التوطين السابقة بالنهاية المتوقعة، حينما أغفلت أهمية تغيير خريطة الاقتصاد الوطني، وضرورة انتشاله من الاعتماد المفرط على عوائد النفط، وأن اقتصادا بهذه الصورة لا يمكن أن تتوافر لديه القدرة على إيجاد الوظائف الملائمة والمجدية، وقبلها لا يمكن له إيجاد البيئة الصحيحة لتأسيس المشروعات الإنتاجية، المؤهلة لتوطيد الاستقرار الاقتصادي والتنويع الإنتاجي اللازم، بعيدا عن تقلبات أسعار النفط.

لهذا؛ لتكن الغاية الكبرى والنهائية لتكامل جهود مختلف الأجهزة الحكومية ومنشآت القطاع الخاص، هي هذه الغاية المبينة في الفقرة السابقة، وتحققها كفيل جدا بإنجاح مشروع “نطاقات الموزون” وغيره من المشروعات التنموية الكبرى الأخرى، التي حملتها كل من وثائق رؤية المملكة 2030 ووثائق التحول الوطني 2020. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.