ما الأثر المرتقب لرسوم الأراضي البيضاء؟

إذا علمت كيف وصلت أسعار الأراضي إلى مستوياتها المتضخمة الآن، سهل عليك كثيرا معرفة طريق عودتها إلى المستويات العادلة، المفيد جدا في المعرفة الدقيقة لهذا الأمر، أنه يعني أنك عرفت بدرجة أفضل التشخيص الحقيقي للأزمة العقارية والإسكانية كاملة، الذي بدوره سيسهل على الجميع التأكد من جدوى أدوات الحل المقررة أخيرا، ومن أهمها بالطبع إقرار الرسوم على الأراضي البيضاء، وهل سيجدي أم لا؟ والتأكد أيضا من جدوى بقية الحلول المقترحة الأخرى تحت الدراسة في الوقت الراهن.

سنذهب معا في رحلة قصيرة جدا لاستكشاف أهم أسرار السوق العقارية على الإطلاق، الذي سيكشف لنا التعرف على حقيقتها الفعلية، أي أزمة تنموية نحن جميعا في مواجهتها، وبناء عليه سنفهم تماما هل يحق لمن فرح بإقرار الرسوم على الأراضي أن يفرح بهذا الفرح الكبير، أم أن الفريق المعارض لإقرار تلك الرسوم، هو المحق فعلا بعدم اكتراثه بها، وأنها حسب رأيه لن يكون لها أي أثر في الأسعار المتضخمة؟ بل إن بعض المحسوبين على هذا الفريق، ذهب إلى أبعد من كل ذلك؛ أن أسعار الأراضي سترتفع أكثر مما هي عليه في الوقت الراهن.

بداية؛ كل ما سيأتي من توصيف رقمي لوضع السوق العقارية، أؤكد أنه ليس توقعات أو تقديرات أو تخرصات بقدر ما أنه بيانات موثقة، تتمتع مصادرها الرسمية بالموثوقية التامة، التي تمنحها درجة عالية من الثقة، لا يمكن أن ينقضها إلا بيانات رسمية تتمتع بالقدر نفسه من الموثوقية، بمعنى أنه ستسقط أمامها أي آراء مصدرها تجار للتراب أو سماسرة ذوو مصلحة من ديمومة تشوهات السوق العقارية، لا يوجد ما يسند أقوالهم أو طروحاتهم سوى تجاربهم الطويلة في السوق، وغيرها من الأعذار والتبريرات التي لا يوجد لها أي أرقام يمكن تثبتها سواء كلها أو حتى جزء منها.

زحفت ارتفاعات أسعار الأراضي طوال العقد الماضي، حتى قفزت إلى مستوياتها المتضخمة جدا كما هو قائمٌ في الوقت الراهن، نتيجة تشوهات طغت على عموم السوق العقارية، زاد من سيطرة تلك التشوهات احتكارا ومضاربة خلال العقد الماضي، تغذيها دون أي رادع يذكر من الرالي الهائل لارتفاع الأسعار، ليزداد نهم المحتكر من جهة، ويزداد تمسكه بتملك مساحات شاسعة من الأراضي يرى أسعارها السوقية تتنامى بسرعة فاقت توقعاته دون أي جهد يذكر من قبله! وفي جهة أخرى، ازداد بصورة أكبر نهم المضارب، كيف لا؟ وما يشتريه اليوم سرعان ما يتضاعف سعره السوقي قبل أن يحول عليه الحول، أو أقل منه! تشكلت حلقة مفرغة للأسعار اتجاهها فقط إلى الأعلى، لتجتذب بدورها مكتنزين آخرين “محتكرين”، وتجتذب أيضا أضعافهم من مجموعات المضاربين، وكلا الفريقين أعياه البحث عن قنوات للاستثمار محليا، فلا منافس على الإطلاق لهذه السوق العقارية، التي انفردت عن جدارة واستحقاق بالمرتبة الأولى للثراء السريع والأرباح المضاعفة!

كيف تحقق لسوق الأراضي “اكتنازا ومضاربة” كل هذا الرواج؟ أظهرت بيانات وزارة العدل المتعلقة بتوزيع صفقات السوق العقارية المحلية التي بلغت خلال الفترة 2011 ــ 2016 نحو 2.01 تريليون ريال، تركز نحو 92.0 في المائة منها (1.85 تريليون ريال) على بيع وشراء الأراضي فقط! وسيتضح حجم صدمة هذه الأرقام الهائلة، بمقارنة مساحات تلك الصفقات العقارية والأراضي تحديدا، بالتوزيع المثبت في بيانات أمانات بلديات المدن الكبرى لاستعمالات الأراضي، التي أظهرت المصادر الأخيرة استحواذ الأراضي البيضاء داخل كبريات المدن في المتوسط على نحو 50.0 في المائة من مساحات تلك المدن، وبالرجوع إلى مساحات الصفقات العقارية على الأراضي “دون أي استبعاد لاحتمال تكرار عمليات بيع قطع الأراضي أكثر من مرة خلال عام واحد”، ونسبتها إلى مساحات المدن الكبرى محل المقارنة، تفجرت الصدمة الكبرى؛ أن مساحات الأراضي المتداولة بيعا وشراء لم تتجاوز في أي عام من أعوام الفترة 2011 – 2016 نسبة 5.0 في المائة من إجمالي مساحات تلك المدن “أي ما لا يتجاوز 10 في المائة من إجمالي مساحات الأراضي البيضاء داخل المدن نفسها”.

الآن فقط انكشف السر الكبير للارتفاع الهائل لتملك الأراضي، ولزيادة المضاربة عليها، بل لقد اتضح حتى توزيع الحصص في السوق، ليتأكد لدينا بموجب البيانات الرسمية أعلاه، أن تسعة أعشار تلك الأراضي البيضاء داخل المدن نصيب المكتنزين والمحتكرين، وأن ما لا يتجاوز العشر منها هو الحصة الصغيرة التي تتقاذفها أيادي المضاربة بيعا وشراء، ونتيجة للتدوير الهائل للأموال والثروات على تلك المساحات المحدودة من الأراضي “1.85 تريليون ريال خلال أقل من سبع سنوات فقط”، كان طبيعيا جدا أن تقفز الأسعار السوقية للأراضي ثم العقارات وإيجاراتها بهذه الارتفاعات المجنونة خلال أقل من عقد من الزمن، وكان طبيعيا أن تتسبب تلك الارتفاعات السعرية الهائلة في صناعة أكبر أزمة تنموية محليا “أزمة الإسكان”.

إذا عرف السبب بطل العجب؛ تلك باختصار خلاصة أزمة العقار والإسكان، والآن فقط تتضح أهمية أداة فرض الرسوم على الأراضي البيضاء، فطريق اكتناز الأرض إلى ما لا نهاية “منطق ويش يحدني أبيع”، أصبح مسدودا باستحقاق الرسوم السنوية عليه، التي يزداد عبء تكلفتها كلما كبرت مساحة الأرض وقيمتها السوقية، وهو ما لا طاقة لكبار الملاك به بأي حال من الأحوال! ولا منفذ للخروج من هذا المأزق سوى التخلي عن استدامة تملك الأرض، فإما تطويرها أو بيعها الذي سيؤدي بدوره إلى زيادة عرض الأراضي المتداولة بيعا وشراء “لنتذكر أن المتداول منها إلى وقت قريب لا يتجاوز عشر تلك الأراضي”، وهذا بدوره يعني حقيقة واحدة لا ثاني لها، أن أسعار اليوم أفضل من أسعار الغد، وهذا تماما ما يعيه ويفهمه تجار التراب قبل غيرهم، ليدخلوا في سباق مع الزمن أيهم يسبق الآخر تخارجا من ملكية الأراضي، حتى إن لم تكن تلك الأراضي ضمن وعاء الرسوم في المرحلة الراهنة، كون عامل انخفاض قيمة الأرض مستقبلا بأعلى من 2.5 في المائة “نسبة رسم الأرض”، سيزداد ثقله كلما ابتعد عن تلك النسبة، وهو ما لا ولن يقبل به أي محتكر أو مكتنز، أن يخسر أي نسبة تذكر من إجمالي القيمة السوقية لأراضيه!

هذا يعني أيضا، انقلاب عجلة تضخيم الأسعار على عكس ما كان سائدا في السابق، ليترتب على تصدع قلاع احتكار الأراضي بمساحات شاسعة، وزيادة عرضها في السوق العقارية، تفتت مجموعات المضاربة بالأراضي، التي كانت تتاجر فيها بناء على ثقة كبيرة بارتفاع الأسعار، انعكست تماما وفق هذه التطورات، ولك أن تتخيل أي آثار محتملة في الأسعار السوقية حال ارتفاع حجم المتداول من الأراضي إلى 20 أو 30 أو 40 في المائة من إجمالي مساحتها داخل المدن؟! لا شك أنها تعني تصحيحات سعرية هائلة، وهو الهدف المطلوب تحقيقه بما يقضي على الأزمة من جذورها، ويخدم في الوقت ذاته احتياجات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.