أقرض وأهرب

تصف أدبيات الأسواق المشتري الأخير في نهاية موجة أي ارتفاع سعرية بالمغفل الأكبر، ذلك أنه سيتحمل وحيدا بعد شرائه ذلك الأصل المتضخم التكلفة الهائلة لخسارة قيمته السوقية، وقد لا يتمكن من بيعه إلا بعد فقدان أكثر من 90 في المائة من قيمة شرائه. الغفلة الكبرى هنا، لا تقف عند هذا الحد فحسب، بل تتخطاها إلى سهولة تمويل ارتكاب مثل هذه الخطوة المتهورة من المشتري، ليتورط في شراء أصل متضخم القيمة بصورة كبيرة، لكن لا يعفي كل ذلك “المقترض” أو “المشتري الأخير” من تحمل المسؤولية الأكبر لقراره المتهور، حتى إن تورطت أطراف أخرى في التغرير به، وتسويق تلك المنتجات التمويلية المتعددة لأجل شراء أي أصل كان! تظل رغم كل تلك المنعطفات الحرجة؛ المسؤولية ملقاة على كاهل المشتري الأخير، أو بمعنى أدق “المغفل الأكبر والأخير”.

يعود مرة أخرى الحديث عن القرض المعجل وغيره من أنواع القروض العقارية المختلفة، التي يراد أن يتحمل أعباءها مئات الآلاف من المواطنين والمواطنات، مقابل تضخم هائل جدا في مستويات أسعار الأراضي والعقارات، التي لم ولن تستطيع مدخرات المواطنين زائد القرض المعجل وزائد القرض الإضافي مجتمعة أن تحقق القدرة على تملك أغلب الأفراد مساكنهم، وهذا ليس نقصا في التمويل بقدر ما أنه تضخم هائل في أسعار الأراضي والعقار، وصل في المرحلة الراهنة إلى طريق مسدود تماما، بل إن المتورطين في صناعة هذه الفقاعة السعرية العقارية، جزء كبير منهم عاجز تماما عن شراء أية أراض وتطويرها بأسعار الوقت الراهن، والأعجب من ذلك أنه يرفض الاقتراض لأجل الشراء والتطوير! بينما تراه يشجع وينادي غيره من المشترين الأفراد محدودي الدخل للاقتراض بأي طريقة والشراء!

سبق لي ولغيري من الكتاب طرح هذه القضية العالية المخاطرة على أفراد المجتمع، التي تقودهم في نهاية نفقها إلى التورط بشراء أصول عقارية متضخمة سعريا، وهو مصدر الخطر الأول، التي سرعان ما ستشهد تراجعات حادة في مستوياتها خلال السنوات القليلة المقبلة، ليأتي الخطر الثاني من حيث الترتيب؛ ممثلا في تحمل أعباء قروض عقارية ومصرفية لأجل تمويل تكلفة الشراء، لتكتمل بذلك “كماشة” الإطباق تماما على دخل ومدخرات ومستقبل الفرد وأسرته لما لا يقل عن 20 عاما، وقد تصل إلى 30 عاما!

كل هذه الأبعاد والمخاطر، ستجد أن كل من يروج لمثل هذه الأنواع من القروض يتجاهلها إما عمدا منه وإما جهلا منه، والإشكالية هنا ليست مع القرض المعجل أو خلافه من أنواع القروض العقارية الأخرى، بل مع التضخم الكبير جدا في أسعار الأراضي والعقارات وتكلفة إيجاراتها، التي أصبحت أسبابها والتشوهات التي أدت إليها، مكشوفة تماما وواضحة، وتم اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لمعالجتها من قبل الدولة، من أهم تلك الأدوات فرض الرسوم على الأراضي البيضاء محاربة للاحتكار والمضاربة، التي سينتج عنها انخفاض تلك الأسعار المتضخمة، وقدوم خيارات التمويل وتعددها كما هو معلن، يظلان أمرين اختياريين يعود قرار اتخاذهما من عدمه إلى المستفيد، فلماذا يغضب البعض إذا قرر المستفيد ممارسة حقه في الاختيار حالما قرر عدم الشراء في المرحلة الراهنة، وعدم الاقتراض؟!

نحن اليوم في مواجهة أزمة تنموية معقدة، امتدت تداعياتها أو تشوهاتها إلى كثير من المتغيرات في حياتنا، ولزيادة فعالية التصدي لآثار تلك الأزمة التنموية (أزمة الإسكان)، ولإنجاح الجهود المبذولة وتحسين استغلال الموارد المتاحة، فلا بد أن تأتي الحلول متكاملة وداعمة لبعضها البعض، وضرورة عدم تضاربها أو تسببها في إيجاد ثغرات قد تفاقم من حجم الأزمة الأولى في المرحلة الراهنة.

حينما أقرت زيادة حجم القرض العقاري في سنوات مضت، لم يترتب على تلك الزيادة إلا زيادات متتالية في أسعار الأراضي والعقارات، ثم لحقتها في الارتفاع تكاليف الإيجارات، لتتسبب تلك الآثار مجتمعة في زيادة معدل التضخم، وتآكل الدخل الحقيقي للأفراد، وزيادة استقطاع أقساط القروض العقارية إضافة إلى بقية أقساط القروض المصرفية الأخرى من الأجور الشهرية للأفراد، كما لم تؤدِ تلك الزيادة في معالجة أزمة الإسكان، بل زادت بكل أسف في تفاقمها أكثر مما سبق إقرار تلك الزيادة، وهو أمر كان متوقعا بدرجة كبيرة جدا، لأن (زيادة القروض العقارية) لم يكن على الإطلاق هو الحل الذي ينتظره علاج أزمة الإسكان، التي كانت تتغذى طوال العقدين الماضيين من تفاقم تشوهات سوق العقار، أول تلك التشوهات (زيادة احتكار الأراضي) وثانيها (زيادة المضاربات على الأراضي)، وزيادة التمويل العقاري كانت تغذي بامتياز اتساع سيطرة الاحتكار والمضاربة، وتسهم بصورة رئيسة في تضخم وتشكل الفقاعة السعرية في السوق العقارية المحلية، (الأسباب الرئيسة لتشكل الفقاعة السعرية في أي سوق هي: (1) عدم تماثل معلومات السوق لدى أطرافها كافة. (2) زيادة تدفق رؤوس الأموال والمدخرات الباحثة عن فرص مجدية للاستثمار أو المتاجرة (المضاربة). (3) زيادة إيجاد الائتمان المصرفي داخل السوق العقارية).

ويتفاقم خطر زيادة التمويل العقاري والإفراط فيه بأي صيغة كانت، مع العمل على تسهيل الحصول عليه من قبل الأفراد، دون معالجة الأسباب الفعلية التي أدت إلى تضخم التشوهات الكامنة في السوق، قبل أن نتحدث عن تضخم أسعار الأصول وتكلفة إيجاراتها، كون الأخيرة ليست إلا إحدى نتائج تلك التشوهات. وتزداد مخاطر زيادة التمويل العقاري بصورة أكبر بكثير مما سبق، إذا تزامنت مع التطورات التالية: (1) بدء المعالجة الحقيقية للتشوهات الهيكلية في السوق العقارية، وأهم أدوات تلك المعالجة في حالة سوقنا العقارية الإقرار التاريخي لنظام الرسوم على الأراضي، الذي سيقضي على أكبر تشوه عانته السوق طوال سنوات طويلة. (2) انكماش مستويات السيولة في الاقتصاد المحلي، نتيجة انخفاض أسعار النفط، وزيادة الحاجة إلى توظيف المتاح منها في قنوات الإنتاج المجدي، أي تحسين مستوى الاستفادة منها بأعلى درجة ممكنة. (3) بدء الأسعار المتضخمة للأصول العقارية بالانخفاض، وعودتها إلى مستوياتها العادلة سعريا.

ختاما؛ يجب التأكيد والتحذير في الوقت ذاته من أن زيادة التمويل العقاري، أو تسهيل إجراءات الحصول عليه في ظل الظروف الراهنة، لن تؤدي إلى حل أزمة الإسكان، بل ستزيد من تعقيدها، وما جرى على أرض الواقع طوال العقدين الماضيين أكبر شاهد على ذلك! فلن يترتب عليه سوى زيادة في الأسعار، وزيادة أكبر في حجم المديونيات على الأفراد، وزيادة أكبر منهما على كاهل الدولة كتكلفة للحلول، ومواجهة كأداء لآثار تلك الأزمة المفتعلة من الأصل، عدا زيادة المخاطر على أحد القطاعات الاقتصادية ممثلة في القطاع التمويلي، في الوقت الذي لن يستفيد من تفاقم كل تلك المخاطر سوى شريحة ضيقة جدا من المجتمع، ممثلة في ملاك الأراضي والعقارات، وهو الطريق الوعر الذي لا قدرة لأي اقتصاد مهما بلغت قوته وثرواته على تحمل آثاره الخطيرة جدا! والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.