“خروج بريطانيا”.. والصندوق السيادي

حمل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وما خلفه من صدمة كبيرة للاقتصادات والأسواق حول العالم، درسا مبكرا بالنسبة لنا في المملكة، يمكن القول إنه جاء في وقت مثالي، بتزامنه مع بداية مراحل تأسيس أكبر صندوق سيادي استثماري في العالم بحلول 2020، الذي يستهدف تخصيص نحو 50 في المائة من إجمالي سيولته للاستثمار في الاقتصادات والأسواق المالية حول العالم.

تستهدف سياسات وبرامج التحول في الوقت الراهن ومستقبلا، تخفيف الاعتماد على النفط بصفته المورد الأول للدخل، وفي المقابل تعزيز وتنويع مصادر الدخل الأخرى، والتركيز بدرجة أكبر على تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، ورفع كفاءة كل من الإنفاق والاستثمار الحكوميين، ويأتي توجه الدولة نحو تأسيس الصندوق السيادي العملاق، ضمن سياق المحور الأخير المتعلق برفع كفاءة استثمار الفوائض التي تطرأ على الميزانية والاحتياطيات المالية المتراكمة، وتحسين معدلات الدخل السنوية المتحققة منها، بما يخفف من الاعتماد المفرط على إيرادات النفط غير المستقرة.

المحور الرئيس هنا والأهم أمام هذه التحولات الطارئة على الاقتصادات والأسواق العالمية، التي أصبح تفجرها من وقت إلى آخر، والتسبب في زعزعة استقرار مختلف الاقتصادات والأسواق أمرا معتادا، واللافت أيضا تقلص الفترات الزمنية بين تلك الأزمات المالية والاقتصادية خلال العقدين الماضيين، أؤكد هنا أن المحور الرئيس أمام كل ذلك؛ هو درجة انكشاف الاقتصاد الوطني على الاقتصاد العالمي، وتحديدا على المناطق المضطربة منه اقتصاديا وماليا. التي تعني أن ارتفاع درجة الانكشاف، مؤداها زيادة تأثر الاقتصاد الوطني والأسواق المحلية بكل ما قد يطرأ من أزمات مالية أو اقتصادية خارج الحدود، وهذا دون أدنى شك يعني درجة أعلى من حيث المخاطر، مقارنة بالتأثيرات السلبية لتقلبات سعر النفط.

تزداد خطورة ذلك الانكشاف على الاقتصاد العالمي (كالاعتماد المفرط على إيرادات النفط، ارتفاع حجم الاستثمارات الوطنية في الاقتصادات والأسواق خارج الحدود)، إذا قابله تأخر أو قصور في سرعة تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، التي يعكس ضعفها وهشاشتها؛ أن الاقتصاد الوطني سيكون أكثر عرضة من أي وقت مضى إلى مزيد من المخاطر والتداعيات السلبية القادمة من الخارج، سواء تلك الآثار السلبية المحمولة على كاهل انخفاض أسعار النفط، أو الأخرى التي ستكون محمولة على كاهل الاستثمار الخارجي، وما قد يلحق به من خسائر فادحة أصبحت معتادة في الأسواق العالمية.

تكشف مقارنة الوضع الراهن للاقتصاد الوطني، على ما يحمله من سلبيات عديدة يتم العمل في الوقت الراهن على معالجتها وإصلاحها، مع ما سيؤول إليه مستقبلا وفق السيناريوهات المعلنة من قبل وزارة الاقتصاد والتخطيط، أننا نتجه بسرعة كبيرة جدا نحو زيادة انفتاح وانكشاف الاقتصاد الوطني على العالم الخارجي، في الوقت ذاته الذي لن يتزامن معها ولا حتى بنصف السرعة؛ تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، التي يتطلب الاستثمار فيها والتأسيس والتطوير سنوات طويلة جدا، لا يمكن أن ترى نتائج حقيقية لها ذات أثر ملموس على الاقتصاد والمجتمع خلال أقل من عقدين على أقل تقدير.

لا يعني ما تقدم الإبقاء على سلبيات الوضع الراهن، بقدر ما أنه يؤكد أهمية عدم التسرع في خطى دفع الاستثمارات الوطنية خارج الحدود، خاصة في ظل الأوضاع المتقلبة والمضطربة للاقتصادات والأسواق حول العالم، التي أصبحت السمة اللازمة لها منذ عام 2008 حتى تاريخه، وكما تشير التوقعات لا يبدو في الأفق القريب والمتوسط ما يدعو إلى الطمأنينة والثقة. الشاهد من كل ما ذكر؛ أن إدارة الصندوق السيادي قد يكون الخيار الأنسب لديها خلال السنوات الخمس المقبلة على أقل تقدير، هو التركيز الأكبر على الاستثمار وتنويع قاعدة الإنتاج المحلية، التي ستسهم في تحقق عدد من الأهداف، لعل من أبرزها: (1) تقوية قاعدة الإنتاج للاقتصاد الوطني، وجعلها أكثر صلابة في وجه التحولات والتطورات السلبية القادمة من الخارج. (2) زيادة الإسهام في إيجاد الفرص الوظيفية الكريمة للمواطنين والمواطنات، التي ستحسن من مستوى دخلهم ومعيشتهم، وتمنحهم مناعة أكبر في وجه أية متغيرات سلبية محتملة من الداخل أو الخارج. (3) حماية رؤوس الأموال الوطنية من مخاطر الاستثمار في الأسواق الخارجية خلال الفترة الراهنة، التي لا تزال خاضعة لتأثيرات تصدع الاتحاد الأوروبي، المحتمل اتساع رقعتها لتشمل دولا أخرى أعضاء في الاتحاد، ورغم أن الفرص الاستثمارية تولد وسط الأزمات، إلا أن هذه الخطوة لا تعني أبدا إلغاء جانب الحيطة والحذر واشتراطات حماية رأس المال من أية مخاطر محتملة.

قالت العرب: “السعيد من اتعظ بغيره،” ولعل ما شهدته الأسواق العالمية من بعد فجر يوم الجمعة الماضي من تقلبات وعواصف هائلة، ليست الأولى ولا الأخيرة التي تشهدها اقتصادات العالم وأسواقها، أقول لعل فيه الكثير من العبر والدروس، التي تتطلب الضرورة القصوى أخذها في عين الاعتبار ونحن في بداية طريق تأسيس الصندوق السيادي الأكبر عالميا، لتكون بدايته التأسيسية منطلقة من الاقتصاد الوطني بالدرجة الأولى، وجعلها الاهتمام الأول خلال المرحلة الراهنة، التي يشهد العالم بأسره خلالها تقلبات واضطرابات نحن في غنى تام عنها. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.