الاستقرار المالي 2016

أصدرت مؤسسة النقد العربي السعودي تقريرها المالي الثاني 2016، الذي يعد من أهم التقارير المالية والاقتصادية التي تصدر عن الأجهزة الرسمية في البلاد، خاصة مؤسسة النقد كونها تمثل البنك المركزي في الاقتصاد الوطني. التقرير المالي الذي يعكس تطورات مؤشرات الأداء الاقتصادي والمالي باختلافها خلال فترة معينة، والآثار الفعلية والمتوقعة عليها، نتيجة التطورات العالمية والمحلية على حد سواء اقتصاديا وماليا.

أظهرت خلاصة قراءة تقرير “الاستقرار المالي 2016″ فيما يتعلق بمؤشرات الاقتصاد الكلي للمملكة، تباطؤا في أداء الاقتصاد خلال 2015 بالتزامن مع استمرار انخفاض أسعار النفط، وأكد التقرير أنها النتيجة المتوقعة للاقتصادات التي تعتمد على النفط كمورد رئيس للدخل، وما يمثله من أهمية للإنفاق الحكومي كمحرك رئيس للأنشطة الاقتصادية. ومؤكدا أنه تحت ضغوط انخفاض إيرادات النفط، قامت الحكومة باستخدام جزء من احتياطياتها المالية لأجل التغلب على التحديات الاقتصادية المختلفة، وبهدف المحافظة على النمو واستقرار النظام المالي.

جاءت أبرز نتائج التقرير المالي الأخير، مؤكدة على استمرار النظام المصرفي السعودي في النمو باعتدال، والمحافظة على متانته، رغم التحديات الاقتصادية والمالية العالمية والمحلية الأخيرة، وأكد أيضا محدودية مخاطر الانكشاف الخارجي ومخاطر السيولة، على الرغم من ارتفاع حصة الأصول الأجنبية خلال 2015 إلى نحو 3.14 في المائة من إجمالي الأصول. كما بين التقرير استمرار قدرة قطاع الائتمان غير المصرفي على دعمه للنمو الاقتصادي من خلال توفير قناة تمويل إضافية للقطاع الخاص، مع الإشارة إلى الضعف الذي طرأ على أداء كل من السوق المالية وقطاع التأمين وعدد من الأنشطة الاقتصادية، نتيجة التطورات غير المواتية التي طرأت على الاقتصاد العالمي، وانعكاساتها السلبية على مستويات أسعار النفط في الأسواق العالمية.

يأتي العام الجاري كنقطة بداية لمرحلة طويلة الأجل من الإصلاحات والتطوير على الاقتصاد الوطني، يقدر أن تستمر إلى نهاية 2030، سيتخللها تفعيل وتطبيق كثير من البرامج والخطط الهادفة إلى منح الاقتصاد الوطني مزيدا من خيارات الإنتاج وتنويع قاعدته، التي- عدا أنها ستمنحه استقلالية أكبر عن الاعتماد المفرط على دخل النفط- ستتيح أمامه فرصا أكثر شمولية وأوسع على مستوى توظيف الثروات الوطنية من خارج الحدود، في مجال اقتناص الفرص الاستثمارية المحلية العديدة، التي من شأنها أن توسع من حجم الاقتصاد الوطني، وفي الوقت ذاته توفر مزيدا من فرص العمل الكريمة للمواطنين والمواطنات، إضافة إلى تزامن البرامج تلك مع تدشين أنظمة جديدة تستهدف محاربة الفساد والاحتكار والقضاء على مظاهر كل من الغش والتستر التجاريين، وهي مجموعة من التشوهات المعقدة جدا التي تسببت طوال العقود الماضية، في إلحاق أشد الأضرار بالاقتصاد الوطني، وأفضى عدم الجدية في مواجهة مخاطرها طوال تلك العقود، إلى سيطرة تلك التشوهات الاقتصادية الخطيرة، وإلى اتساع رقعة تحكمها وقبضتها على أغلب نشاطات الاقتصاد، وكان لها الدور الأكبر في تفاقم عديد من التحديات الاقتصادية الراهنة كالبطالة والفقر، ورداءة مستويات الإنتاج والدخل، وتفاقم سيطرة التلاعب بالأسعار في الأسواق المحلية الجزئية، إضافة إلى تفاقم أزمة الإسكان المحلية وارتباطها الشديد بسيطرة الاحتكار والمضاربة على الأراضي والعقارات، وما آلت إليه لاحقا من ارتفاع تكلفة إيجارات العقارات السكنية والتجارية، وتسببها في رفع تكلفة المعيشة والإنتاج بصورة ألحقت كثيرا من الأضرار بمعيشة المواطنين والمقيمين على حد سواء، إضافة إلى مساهمتها في تعقيد ورفع تكلفة الإنتاج داخل بيئة الأعمال المحلية، أدت إلى إضعاف البيئة التنافسية للقطاع الخاص، وحدت كثيرا من تنافسيته محليا وخارجيا.

أصبح لزاما أمام كل تلك الآثار السلبية اقتصاديا وماليا واجتماعيا؛ ضرورة التصدي لها برؤى جديدة تماما، ووفق آليات أكثر فاعلية وجدية وصرامة، وتحت إدارة عليا تأخذ بعين الاعتبار ضرورة أن تأتي الحلول والمعالجات بصورة تكاملية لا تنافسية أو مجزأة، وهو ما يعني بدوره التخلص من آليات العمل السابقة التي أفرزتها خطط التنمية طوال أربعة عقود ونصف العقد، التي كان لها أيضا دور لا يمكن إغفال سلبياته تجاه ما يواجهه الوطن في الوقت الراهن من تحديات تنموية جسيمة.

إن من الضرورة بمكان متابعة وفحص كل ما ورد في تقرير الاستقرار المالي 2016 من قبل الأجهزة الحكومية كافة، وفي القطاع الخاص ومن لدن المهتمين والمختصين، كونه التقرير الأكثر أهلية الذي يقدم الحقيقة كاملة حول مؤشرات الأداء الاقتصادي والمالي محليا، وكونه الدليل الموثق الذي يقدم المخاطر الحقيقية التي تهدد الاستقرار بكل مستوياته محليا، والخروج من تلك النتائج بأهم القرارات والمعالجات اللازمة لتحسين جودة الأداء الاقتصادي والمالي، التي بدورها ستنعكس على تحسين خيارات الحياة عموما لدينا، والتغلب أيضا على أكبر التحديات التنموية الراهنة (البطالة، أزمة الإسكان، ضعف تنوع قاعدة الإنتاج، انخفاض مستوى الدخل، الفساد، الاحتكار، التستر التجاري، إلى آخر التحديات التنموية الأخرى).

ليس مجديا اختراع العجلة من جديد، وليس مجديا أيضا الهروب من مواجهة أي من تلك التحديات التنموية الجسيمة بأي حال من الأحوال، بحلول قد تكون أدنى قوة من وعورة تلك التحديات، أو بحلول قد تحاول الالتفاف على صلب المشكلة أو الأزمة، وقد يحدث ذلك لأي سبب كان، إلا أنه في محصلته النهائية، لا يعني إلا إضاءة الضوء الأخضر لأي من تلك التحديات للتضخم والتفاقم. مؤدى كل ما تقدم ذكره؛ يؤكد ضرورة توظيف ما توصل إليه تقرير الاستقرار المالي الأخير، وأي تقارير أخرى تصدر منه سنويا، في دعم اتخاذ القرارات الإصلاحية محليا تجاه أي أزمة أو تحد مما يواجهه اقتصادنا الوطني، وأن يتم تسهيل ودعم تلك القرارات لأجل تحقيق المصلحة العامة، ولأجل المحافظة على استقرارنا المالي والاقتصادي والاجتماعي. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.