الآثار العقارية والاقتصادية لزيادة قروض الأفراد

تعتقد وزارة الإسكان أن زيادة القروض على كاهل الأفراد الباحثين عن تملك مساكنهم، أنه أحد الحلول الرئيسة لإخراج السوق العقارية من حالة الركود التي تمر بها منذ نحو عامين، وتعتبر أيضا أن النسبة القصوى للتمويل العقاري بما لا يتجاوز 70 في المائة من القيمة السوقية للأصل العقاري (اشتراط دفعة مقدمة على المشتري 30 في المائة من قيمة الأصل العقاري)، أنه “مشكلة” لا بد من حلها من خلال خفض نسبة تلك الدفعة المقدمة من 30 في المائة إلى ما دون 10 أو 5 في المائة، الذي يعني في المقابل رفع نسبة التمويل العقاري إلى 90 أو 95 في المائة من قيمة الأصل العقاري المستهدف بالشراء!

للعلم؛ هذه الرؤية ليست جديدة على الإطلاق، فقد كانت اللجنة العقارية في الغرفة التجارية والصناعية في الرياض هي أول من أوصى بها، وظلت نحو عامين تثابر بالمراسلات والزيارات الكثيفة على مؤسسة النقد قبل وبعد تطبيق تلك النسبة، محاولة منها لتغيير هذه النسبة بشتى السبل، لتتسلم لاحقا وزارة الإسكان راية تلك المطالبات الملحة بالتغيير، وهو الأمر الذي يستهدف إنعاش السوق العقارية بالدرجة الأولى، بغض النظر عن بقية الآثار السلبية المحتملة لهذا التغيير على مستوى رفع المخاطر على القطاع التمويلي والاقتصاد الوطني، أو على مستوى استمرار ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، أو على مستوى زيادة القروض باختلاف أنواعها على كاهل أفراد المجتمع، التي وصل مجموعها بنهاية 2015 إلى نحو 957.5 مليار ريال.

وفقا لما بدأته بعض المصارف المحلية أخيرا، وما تزمع القيام به في المستقبل القريب من ضخ مزيد من القروض (الإضافي، المعجل … إلخ)، يبدو أننا جميعا في مواجهة تطورات أو بمعنى أدق تحديات جديدة، ترتبط جميعها عند قاسم مشترك لافت جدا؛ عدا أنها ستتسبب في زيادة القروض على الأفراد، أنها تلتف على الأنظمة والضوابط التمويلية المعمول بها في الوقت الراهن، التي من أهم بنودها ألا يتجاوز استقطاع أقساط السداد نسبة 33.0 في المائة من راتب المقترض! وهو الالتفاف الذي رغم أخطاره المرتفعة جدا اقتصاديا واجتماعيا، يعتبر أكثر أولوية بالنسبة للمطالبين بخفض نسبة مقدم التمويل العقاري، الذي يبدو أنه قريب التحقق وفقا للتصريحات الأخيرة التي صدرت عن وزارة الإسكان.

إذا نحن في مواجهة أمرين قد تحققا أو يوشكان على التحقق الكامل؛ الأمر الأول: رفع نسبة استقطاع الأقساط التمويلية من 33.0 في المائة إلى 65.0 في المائة، وهو مكسب كبير جدا رغم مخالفته نظاميا لمصلحة ملاك الأراضي والعقارات، والسبب في ذلك أن أغلب الأفراد في سوق العمل من المواطنين لديهم قروض تمويلية سابقة (يقدرون بأكثر من 92.0 في المائة من إجمالي العاملين)، ومن ثم فلن يكون مجديا للسوق العقارية حتى خفض نسبة المقدم التمويلي (30 في المائة) إلى نسبة (صفر) في المائة! لكن تحت ظروف رفع نسبة استقطاع الأقساط إلى 65.0 في المائة (الضعف)، فكأنما تم فتح نوافذ الإقراض والتمويل من جديد، ولك أن تتخيل بصورة مبسطة النتيجة هنا، أنه أصبح بالإمكان زيادة القروض المصرفية الاستهلاكية والعقارية فقط إلى ضعف حجمها بنهاية 2015، أي إمكانية رفعها من 429.3 مليار ريال إلى 858.6 مليار ريال، بغض النظر عن الزيادة المحتملة لبقية أنواع القروض الأخرى كقروض الظل المصرفي (شركات التقسيط)، التي تقدر بنحو 330.7 مليار ريال بنهاية 2015 (نحو 25 في المائة من حجم الائتمان المصرفي للقطاع الخاص وفق تقديرات صندوق النقد الدولي).

الأمر الثاني: المتعلق بخفض نسبة مقدم التمويل العقاري، التي أصبح في المقدور والميسور كثيرا وفقا لما تقدم أعلاه إمكانية تجاوز هذه العقبة بالنسبة للعقاريين، فحتى يتحقق خفض تلك النسبة، يمكن الاعتماد على: (1) تتولى المصارف في المرحلة الراهنة تقديم ذلك المقدم كقرض استهلاكي، ثم تقوم بمنح قرض التمويل العقاري، ويتحمل المقترض سداد نوعين من القروض (استهلاكي، عقاري)، تستقطع من راتبه شهريا بما يصل إلى 65.0 في المائة! (2) أن يضمن صندوق التنمية العقارية نصف قيمة ذلك المقدم (أي 15 في المائة)، ويتكفل المقترض بتمويل النصف الآخر من قيمة التمويل، وهو الأمر البالغ السهولة في ظل هذه الظروف بالنسبة إليه، حيث سيقوم المصرف بتمويله إياه كقرض استهلاكي، ثم تستكمل بقية إجراءات تنفيذ القرض العقاري.

هل يمكن أن ينجح هذا السيناريو في التحقق؟ وما آثاره في كل من سوقي العقار والإسكان، والأهم من ذلك في القطاع التمويلي والاقتصاد الوطني ومؤشرات التنمية بالنسبة لأفراد المجتمع وأسرهم؟ يجب التأكيد هنا على أهمية إخضاع الإجابات لدراسة مستفيضة، وصولا إلى نتائج دقيقة يمكن الاعتماد عليها، ولا يمنع هنا تصور جزء من تلك النتائج وفقا للبيانات المتوافرة، التي تكشف في جانب منها تقارير المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، أن من يبلغ أجره الشهري من السعوديين في القطاع الخاص عشرة آلاف ريال فأكثر، لا تتجاوز نسبتهم 13.1 في المائة من الإجمالي، وبرفع تلك النسبة إلى الضعف بالنسبة للقطاع الحكومي نظير ارتفاع متوسطات أجورهم الشهرية مقارنة بالقطاع الخاص، فإن الإجمالي يمكن أن يصل إلى نحو 500 ألف موظف وموظفة في القطاعين الحكومي والخاص.

يأتي هنا تقدير نسبة من يتملك من ذلك الإجمالي مسكنه، وبناء على أنهم الشريحة الأفضل دخلا مقارنة ببقية الشرائح الأدنى دخلا، فلا شك أن أعداد الباحثين منهم عن تملك مسكن أو أرض أدنى من الرقم المبين أعلاه (500 ألف عامل)، وبكل تأكيد أن أعدادهم لن تشكل وزنا نسبيا ذا أهمية في إجمالي المدونة أسماؤهم على قائمة انتظار وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية (1.3 مليون فرد)، وهم النسبة الكبرى التي تعد أجورهم الشهرية أدنى من عشرة آلاف ريال. إذا والحال تلك؛ يعني في جانب آخر أن ملاك الأراضي والعقارات نظير ما أعلنته وزارة الإسكان عن استثناء عدد من المدن من الرسوم، وتوجهها نحو مهل زمنية للتطبيق قد تصل إلى خمسة أعوام، سيزداد تمسكهم بالأسعار المتضخمة في الوقت الراهن، وأن استمرار عجز الكثير من طالبي السكن عن الوفاء بالمتطلبات الأخيرة للتمويل، سيتفاقم أكثر من السابق، وأن تستمر السوق في ركود أكبر مما هو قائم الآن، وكل هذا يعني تزايد أزمة الإسكان أكثر مما هي عليه اليوم، بارتفاع نسب العاجزين عن تملك مساكنهم، إضافة إلى كثير من الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي سيتم استعراضها بالتفصيل في الجزء القادم بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2016/02/24/article_1033058.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.