انتعاش العقار أم انتعاش الإسكان؟

في الوقت الذي كان أكثر من ثلاثة أرباع أفراد المجتمع السعودي يترقبون حلولا مبشرة من وزارة الإسكان، تكون فاتحة خير لعديد من الجهود والبرامج المفترض أن تنفذها الوزارة، تجاه الأزمة التنموية الأولى والأكبر المتمثلة في الأزمة الإسكانية المحلية، إلا أن “الرياح” أتت بما لم يخطر على بال “سفن” تلك الشرائح المنتظرة من المجتمع العزيز لتعلن الوزارة قرب خروج السوق العقارية من ركودها الراهن، وعودة الانتعاش الكبير إلى مرابعها الخاملة منذ نحو عامين، حاملة تلك البشرى فقط إلى أقطاب وأطراف السوق العقارية، على متن سفن عملاقة من القروض والتمويل، يمكن لأقساطها أن تستقطع 65 في المائة من الدخل السنوي لكل فرد من أفراد المجتمع الباحثين عن تملك مسكن.

تسببت دهشة الجميع تجاه هذه البشرى “الحصرية” للسوق العقارية، في رسم ما يشبه “الصدمة” الواسعة على الوجوه الشاخصة والمنتظرة في سوق الإسكان، ارتفعت معها سخونة تساؤلاتها المشروعة عما كان مرتقبا من وزارة الإسكان، من البرامج والخطط المكلفة بها الوزارة حصرا دون غيرها من الأجهزة الحكومية لأجل معالجة أزمة الإسكان، والتساؤل الأكبر حول اللائحة التنفيذية لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وهي الحلول والبرامج التي اجتمعت في مجملها حول المعالجة الجادة للتشوهات الكبيرة في جانب العرض بالدرجة الأولى، لا جانب الطلب، بدءا من الاحتكار الواسع للأراضي داخل المدن والمحافظات، وانتهاء إلى إخماد جذوة المضاربات المحمومة على المتاح المحدود من تلك الأراضي، اللذين تسببا -الاحتكار، المضاربة- في إشعال فتيل أسعارها حتى وصلت نسبتها من إجمالي الأسعار السوقية للمساكن أعلى من 75 في المائة، مقارنة بالمعدلات العالمية التي لا تتجاوز نسبة 25 في المائة من قيمة المسكن. هذا عدا تسبب ذلك الارتفاع المبالغ فيه لقيمة الأراضي في ارتفاع تكلفة الإيجارات السكنية والتجارية على حد سواء، وانعكاسه المرير على رفع تكلفة الإنتاج والمعيشة، وتسببه في ارتفاع معدل التضخم محليا.

ويستمر التساؤل والترقب المشوب بالخوف والحذر لدى أفراد المجتمع عن بقية الحلول الفاعلة في جانب العرض، وهل ستخرج أضعف مما كان منتظرا منها؟ أو أنها قد تتأخر؟ وهو الأمر المفهومة أسبابه صراحة، خاصة في ظل هذه التوجهات المفاجئة من قبل وزارة الإسكان التي نخشى معها جميعا أن تتعرض تلك الحلول الحقيقية للتأخير أو الإهمال أو التقليص، بما ينزع عنها في نهاية المطاف مضمونها وأهدافها التي أُقرت نظاما لأجلها. إنها الحلول الجادة التي كان مرتقبا أن تفضي إلى إخراج البلاد والعباد في الوقت الراهن ومستقبلا من وعثاء الأزمة الكأداء للإسكان، وبما يتيح للمواطن وأسرته الحصول على مسكن العمر بأيسر السبل، وأقل التكاليف، تمكينا له بالتزامن مع نجاح بقية برامج التنمية الأخرى المهمة في البلاد، للوفاء بواجباته ومسؤولياته تجاه تنمية مقدرات اقتصاد بلاده، والمشاركة الفاعلة في تحقيق النهضة والتقدم لوطنه ومجتمعه.

يحمل رفع القدرة الاقتراضية للأفراد، والسماح لمن دخله 12 ألف ريال فأكثر باستقطاع 65 في المائة منه لقاء سداد الأقساط (بإضافة نسبتي استقطاع التقاعد و”ساند” إن وجد الأخير، سيبقى للفرد من دخله ما لا يتجاوز 25 في المائة)، وبقية حلول الإقراض من قرض معجل وإضافي وغيرها مما تعكف وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية على ابتكاره من وقت لآخر، أقول: إنه يحمل كثيرا من المخاطر على الاقتصاد الوطني والمجتمع، وتزداد مخاطره بدرجة أكبر بتزامن اندفاع الوزارة والصندوق في هذا الطريق مع تباطؤ تنفيذ الحلول اللازمة على جانب العرض.

ذلك أن ما أظهرته نتائج مسح مستويات الدخل الشهري للأفراد، بكون نسبة أصحاب الدخل الشهري عشرة آلاف ريال فأكثر لا تتجاوز 13.1 في المائة من الإجمالي حتى نهاية 2014، وأن نسبة من تبلغ متوسطات دخلهم 5000 ريال شهريا فأدنى تصل إلى 68.5 في المائة للعام نفسه، إضافة إلى ارتفاع حجم القروض باختلاف أنواعها على كاهل الأفراد، التي وصلت إلى نحو 957.5 مليار ريال بنهاية 2015، أي ما نسبته 55.0 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي. تبين تلك المعطيات وغيرها ما أصبح معلوما لدى أغلب أفراد المجتمع، أن خيارات زيادة القدرة على الاقتراض لن تجدي كثيرا في حل أزمة الإسكان، بقدر ما أنها في الغالب ستسهم بنسبة كبيرة في زيادة تعقيد الأزمة، والتسبب في بقاء أسعار الأراضي والعقارات وتكلفة الإيجارات مرتفعة، إن لم تتسبب في عودتها إلى الارتفاع مرة أخرى! الذي سيترتب عليه دخول السوق العقارية في طور أشد من الركود، تقوم ركائزه على تعنت جانب العرض بعدم خفضه لأسعار البيع، مقابل عجز تام في جانب الطلب لا يمكن له الشراء بتلك الأسعار، والأخطر من كل ذلك أن تتفاقم الأزمة الإسكانية بمخاطرها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية أكثر مما عليه في الوقت الراهن، لترتفع نسبة الأفراد غير المالكين لمساكنهم، وترتفع مع أسعار الأراضي والعقارات تكلفة الإيجارات، وترتفع بدورها تكاليف الإنتاج والتشغيل والمعيشة، ما سيترتب عليه تدنى تنافسية وكفاءة الاقتصاد الوطني، عدا كثير من الآثار السلبية غير القابلة للحصر والذكر في هذا الحيز المحدود. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2016/02/22/article_1032347.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.