الحذر من “العدوى العقارية”

بقراءة التصريحات الكثيفة الصادرة أخيرا من وزارة الإسكان، حول التطبيق المرتقب لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء ولائحته التنفيذية (بعد 117 يوما من تاريخه)، لعل من أهمها ما ورد على لسان وزيرها في لقائه الأخير في مدينة الرياض مع لقاء المطورين والمستثمرين العقاريين: “إن الوزارة لن تعفي أي منطقة أو مدينة من تطبيق النظام، مؤكدا أن ما تردد حول إمكانية إعفاء بعض المدن من تطبيق الرسوم لا أساس له من الصحة، وأن النظام لا يعفي أو يستثني أي مدينة، وإنما قد لا ينطبق عليها النظام الذي استهدف معالجة الخلل بين العرض والطلب، وبالتالي قد لا ينطبق النظام على المدن التي لا تعاني هذا الخلل مع بداية التطبيق، إذ يتم إدراج المدن متى ما وجد الخلل” (صحيفة “الاقتصادية” العدد 8162).

السؤال هنا؛ هل تأكد لدى وزارة الإسكان بناء على بيانات موثوقة أن الأزمة الإسكانية، والتضخم في أسعار الأصول العقارية وأولها الأراضي، استثني منها أي منطقة أو مدينة في مختلف أنحاء البلاد؟ وما المعيار الذي ستستند إليه الوزارة لمعرفة ما إذا كانت هذه المدينة أو غيرها تعاني أو لا تعاني اختلال العرض والطلب، وبالتالي يتم تطبيق نظام الرسوم عليها أو لا يتم؟ ثم؛ كيف للوزارة اكتشاف حدوث ذلك الاختلال وقت حدوثه في أي مدينة مستثناة من تطبيق الرسوم عليها؟ وهل برأيها كان قرارا حكيما استثناء تلك المدينة من الرسوم، وهي حسب تقدير الوزارة لم تكن تعاني اختلال التوازن؟! إلا أن تطبيق الرسوم في مواقع أخرى أدى لاحقا إلى بدء حدوثه فيها؟ وبناء عليه أصبح ضروريا الآن بعد تفاقمه تطبيق الرسوم؟ ألا تعتقد أنها بهذه الاستثناءات المسبقة قد أسهمت فعليا في التسبب في اختلال التوازن حسب رأيها في تلك المدينة؟ وكثير من الأسئلة التي لا يتسع ذكرها هنا، يمكن أن تبين للجميع ارتفاع مخاطر الاعتماد على منطق أن هذه المدينة تعاني اختلال العرض والطلب، ومدينة أخرى لا تعانيه! هذا إذا سلمنا بصحة وسلامة هذا المنطق وهذه الرؤية، التي لم يثبت حتى تاريخه وفق البيانات الصادرة عن وزارة العدل، ووفقا للبيانات المتوافرة لدى وزارة الإسكان نفسها، أنها تقف على أرض صلبة من الصحة والتأكد.

ذلك أن ما وصلت إليه أشكال الأزمة الإسكانية والعقارية محليا، تؤكد البيانات الرسمية أنها شملت مناطق البلاد كافة دون استثناء، وأن الفروقات القائمة بين المناطق تكمن فقط بين ارتفاعات سعرية حادة جدا في المناطق الأكثر كثافة سكانيا، وارتفاعات أدنى منها بقليل في المناطق الأقل كثافة سكانيا، وأن سوقي الإسكان والعقار في المجمل تعانيان التضخم الكبير لأسعار الأصول العقارية، وارتفاع تكلفة إيجاراتها السنوية، عدا أن تلك المناطق الأقل كثافة من حيث السكان، معلوم أن متوسطات الأجور السنوية للعاملين فيها، أدنى منها بكثير من متوسطات الأجور السنوية للعاملين في مناطق الكثافة السكانية الأكثر، وهو ما يشير إلى أن حجم الأزمة الإسكانية عليهم قد يكون أكبر مما هو واقع على غيرهم من المناطق!

ينبغي الحذر الشديد مما تحمله (العدوى العقارية)، التي تعني الانتقال السريع لآثار تضخم أو تراجع أسعار الأصول العقارية داخل منظومة الاقتصاد الواحد، وهو ما حدث سابقا لدينا، بانتقال آثار تضخم الأسعار من المناطق الكثيفة السكان إلى المناطق الأقل كثافة، نتيجة اتساع سيطرة احتكار الأراضي، وزيادة المضاربات المحمومة عليها، ومع هذا التفاوت المخطط له مسبقا من قبل وزارة الإسكان، تجاه التطبيق الفعلي لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء، الذي تزمع السير فيه في المستقبل القريب وفقا لرؤيتها المعلن عنها أخيرا، فإنها بذلك تدفع دون علم منها إلى ارتفاع حرارة (العدوى العقارية) نحو تلك المناطق والمدن المعفاة من تطبيق الرسوم على الأراضي، بل إن الآثار ستكون أشد خطورة، ذلك أن المساحات الواسعة من الأراضي البيضاء في مختلف أنحاء البلاد، التي شهدت ما شهدته من فوضى ارتفاع أسعارها بصورة خرجت عن السيطرة، ترتب عليها أخيرا إقرار نظام الرسوم للحد من تضخمها السعري الكبير، أصبحت وفقا لرؤية الاستثناءات التي تحملها وزارة الإسكان، مساحات أقل بكثير مما سبق! وبناء عليه فإن التضخم الأكبر في أسعار الأراضي في المناطق المستثناة (أقل مساحة مقابل أموال هائلة)، أصبح في حكم المؤكد أنها ستذهب سعريا إلى أعلى مما يفوق وصفه أو تخيله!

لإثبات ذلك؛ أظهرت بيانات وزارة العدل الأخيرة حول أداء السوق العقارية، أن مجرد استثناء الأراضي الزراعية خارج النطاق العمراني في الوقت الراهن من تطبيق الرسوم عليها، أدى خلال الشهرين الأخيرين إلى ارتفاع حصتها من قيمة الصفقات العقارية من أدنى من 2.7 في المائة لإجمالي صفقات السوق، إلى أن تجاوزت 11.3 في المائة بنهاية صفقاتها للأسبوع الماضي، وارتفاع متوسطات أسعارها السوقية بنحو أربعة أضعاف مقارنة بمتوسط سعرها خلال عام 2015.

يجب على وزارة الإسكان أن تدرك جيدا وبرؤية أوسع بكثير مما تظن، أن الأسباب الحقيقية لتفاقم الأزمة العقارية والإسكانية محليا، أكبر بكثير مما تظن أنه يقف فقط عند مجرد اختلال العرض والطلب في السوق، وأن تحذر كثيرا من تصميم خططها وبرامجها لحل أزمة الإسكان انطلاقا من هذه الفكرة الضيقة الأفق فقط، وأن تجاهلها للأسباب الحقيقية الأخرى والأقوى المتمثل أهمها في: (1) زيادة احتكار الأراضي وعدم السماح بتداولها وتطويرها (نحو 45 في المائة من مساحة المدن والمحافظات). (2) ارتفاع كعب المضاربات المحمومة بالأموال على ما لا يتجاوز نسبته 5.0 في المائة من مساحات أراضي المدن والمحافظات. إنه سيعقد عليها تماما طريق حلولها وبرامجها، وهي النتيجة التي لا تزال تقف عندها وزارة الإسكان منذ كانت هيئة للإسكان وتحولت لاحقا إلى وزارة (نحو عقد من الزمن). والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2016/02/17/article_1030957.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.