الطريق الأسلم لإنقاذ المتقاعدين

استكمالا لما انتهى إليه المقال الأخير “التوظيف والتقاعد حلقة مفرغة”، أدون هنا أهم الحلول الكفيلة أولا بإخراج المتقاعدين من الوضع المعيشي المعقد، الذي يعانونه في الوقت الراهن، وثانيا بإخراج كل من المؤسسة العامة للتقاعد والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية من المنعطفات الوعرة التي تمران بها الآن ومستقبلا.

مبتدئا من تشخيص المركز المالي لكلتا المؤسستين، وآلية إدارتهما للاستثمارات المتوافرة لدى المؤسستين، التي كشف تحليلها أنها أحد أهم الأسباب التي أفضت إلى تدني قدرة كل منهما تجاه مواجهة تحدي التطورات والتغيرات الراهنة، وعدم قدرة أي منهما على التكيف أو الوفاء بمتطلبات تحسين الأوضاع المعيشية لأكثر من مليون متقاعد وأسرهم، وأن الحلول في هذا الاتجاه تختلف تماما عن الحلول القصيرة المقترحة منهما، التي في الحقيقة لا تتعدى كونها هربا إلى الأمام من قصور حقيقي وفعلي تعانيه كلتا المؤسستين، عدا أن تلك الحلول المقترحة منهما تحمل في طياتها مزيدا العبء على الموظفين في الوقت الراهن، وفي الوقت ذاته لن تحقق أي أثر تحسيني ملموس في معيشة المتقاعدين وأسرهم، وكل ما سيحدث هو فقط “تسكين” لأوجاع المؤسستين، ومن ثم الإبقاء لفترة أطول على حياة الخلل والقصور الكامن في أداء الأجهزة الإدارية داخلهما.

تكشف المراكز المالية لكلتا المؤسستين، أنه قد ارتفع عدد المتقاعدين المرتبطين بهما من 472 ألف متقاعد في 2004 إلى أعلى من مليون متقاعد بنهاية 2015، وارتفاع المعاشات المصروفة من 21 مليار ريال سنويا إلى أعلى من 65.0 مليار ريال سنويا خلال الفترة نفسها. تزامن كل ذلك مع زيادة الأعباء المعيشية على المتقاعدين، وفي الوقت ذاته زادت التحديات على المؤسستين! ففي مقابل صرفهما نحو 20.6 مليار ريال في 2004 “التقاعد 17.3 مليار ريال، التأمينات 3.3 مليار ريال”، كان دخلهما نحو 24.8 مليار ريال “التقاعد 16.8 مليار ريال، والتأمينات 8.0 مليارات ريال”، أصبح الوضع اليوم يقتضي أن تدفعا سنويا أعلى من 65.0 مليار ريال، ورغم ذلك ظهرت نتائج دراسة الجمعية الوطنية للمتقاعدين مخيبة، بوقوع المعاشات التقاعدية الشهرية لنحو 70 في المائة من المتقاعدين تحت سقف الـ 2000 ريال، وأن نحو 44 في المائة منهم لا يمتلكون مساكن. وبناء عليه؛ هل يشير المستقبل في هذا الخصوص إلى إمكانية وفاء المؤسستين بالمسؤوليات الملقاة على كاهلهما قياسا على تلك النتائج؟ أم لا بد من اتخاذ إجراءات وتدابير أكثر كفاءة وجدية للخروج من هذه المآزق التنموية البالغة الخطورة؟

بناء على ما تقدم أعلاه؛ يقترح النظر بجدية واهتمام إلى الحلول التالية الممكن تنفيذها، والمؤمل أن تضمن استدامة واستقرارا أكبر للمؤسستين، وأن تمنحهما مزيدا من القدرة على تحمل أعباء تحديات المرحلة الراهنة والمستقبلية، وبما يبعدها عن التورط في حلول وقتية قصيرة الأثر.

أولا: العمل على تغيير وتطوير آليات الاستثمار الراهنة لدى مؤسستي التقاعد والتأمينات، وهو المحور الذي يتطلب جهدا وخبرة أكبر بكثير مما هو متوافر لدى المؤسستين في الوقت الراهن، وكم هو لافت جدا أن تكتشف ضمن المحفظة الاستثمارية للمؤسستين مخزونا هائلا من الأراضي غير المدرة لأي أرباح تعزز من التدفقات النقدية الداخلة “تقدر قيمتها السوقية بأسعار المرحلة الراهنة بأكثر من تريليون ريال”.

ثانيا: البدء في استقطاع مبالغ للتقاعد من منشآت القطاع الخاص على العمالة الوافدة لديها، تعادل تلك المبالغ المستقطعة على العمالة المواطنة، ويتركز الاستقطاع هنا على المنشآت دون خصمها على العمالة الوافدة، بمعنى أن تفرض الاستقطاعات على منشآت القطاع الخاص فقط، ويتم التدرج في تطبيق هذا الاقتراح بالبدء بالمنشآت الكبيرة فما فوقها، ولاحقا ببقية المنشآت. ويمتاز هذا الخيار بأنه عدا تعزيزه التدفقات النقدية الداخلة على المؤسستين، سيؤدي إلى رفع تكلفة توظيف العمالة الوافدة، علما بأن التدفقات المتوقعة منه وفقا لأعداد العمالة الوافدة اليوم، تقدر بأن تتجاوز سقف 12.2 مليار ريال سنويا.

ثالثا: الدراسة الجادة في دمج المؤسستين في جهاز واحد، ذلك أن المؤسسة العامة للتقاعد ستواجه مستقبلا صعوبات وتحديات أكبر مقارنة بالتأمينات، نتيجة لتقليص التوظيف في القطاع الحكومي، سيقابل زيادة أكبر في أعداد المتقاعدين. والعمل بعد الدمج على إخضاع الجهاز الجديد لمزيد من الرقابة والمساءلة وإجراءات الحوكمة.

رابعا: لأجل تصميم وبناء “حزام أمان تنموي” متين للمتقاعدين وأسرهم وورثة من توفى منهم، تستكمل الحلول هنا منطلقة من ضرورة أن تتدخل الدولة بوضع حلول سريعة تتحمل تكلفتها في البداية، والعمل لاحقا على تأهيل المؤسستين وبقية الأجهزة الحكومية للوفاء بها، وهو ما يمكن تمويله بكل يسر وسهولة من خلال تغيير آليات الاستثمار في كلتا المؤسستين، والعمل على تغيير أوزان الأصول الاستثمارية لدى محفظة كل مؤسسة، لعل من أهمها التخارج من الأراضي الشاسعة لديهما، وإحلالها بأصول استثمارية مدرة للدخل، ستعزز كثيرا من التدفقات النقدية الداخلة، ووفقا لهذا السيناريو يمكن اتخاذ الإجراءات التالية، التي تستهدف تحسين الأوضاع المعيشية للمتقاعدين، والخروج بها من المأزق التنموي المعقد الذي يعانونه:

(1) رفع الحد الأدنى لمعاش التقاعد إلى ثمانية آلاف ريال شهريا “الحد الأدنى للمعيشة وفقا لدراسة مؤسسة الملك خالد الخيرية”، وربطه زمنيا بمعدلات التضخم.

(2) إعفاء المتقاعدين وورثتهم من جميع رسوم الخدمات الباهظة عليهم.

(3) أن تمنح خصومات امتيازية للمتقاعدين مقابل ارتفاع تكاليف السلع والخدمات الأساسية.

(4) أن تتكفل الدولة بالتأمين الصحي على المتقاعدين وأسرهم، وورثة المتوفى منهم.

(5) أن تتكفل الدولة بتأمين مساكن لمن لا يمتلكها منهم، والبدء بالورثة قبل المتقاعدين على قيد الحياة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2016/02/15/article_1030302.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.