اللائحة التنفيذية لنظام رسوم الأراضي البيضاء

قامت وزارة الإسكان أخيرا بعقد ورش عمل متفرقة في بعض المدن، ونشرت على موقعها الإلكتروني استبيانا مفصلا. تمحورت كل من ورش العمل والاستبيان حول تسعة مواضيع أساسية ستتضمنها اللائحة التنفيذية لنظام رسوم الأراضي البيضاء، طرحتها في هيئة استفسارات محددة، جاءت على النحو الآتي؛ أولا: ما المقصود بالأراضي الفضاء، التي عرفها نظام رسوم الأراضي البيضاء على أنها كل أرض فضاء مخصصة للاستخدام السكني أو السكني التجاري داخل حدود النطاق العمراني، ومتى تعد الأرض فضاء؟ وهل يكفي تسويرها أو إنشاء بناء لا يعد سكنيا في عدم اعتبارها أرضا فضاء ومن ثم إعفاؤها من الرسوم؟

ثانيا: ما المطلوب إجراؤه في حالة الأرض المملوكة لأكثر من شخص طبيعي أو اعتباري، وتعذر الوصول لبعض الملاك أو امتنعوا عن السداد لأي سبب، فهل يقبل سداد البعض الآخر لحصتهم من الرسم بحيث تبقى الأرض خاضعة للرسم لحين سداد كامل قيمة الرسم المحدد لها، أم لا يقبل إلا سداد كامل قيمة الرسم مرة واحدة؟ ثالثا: ما المعايير لتقدير قيمة الأرض؟ وهل يتم تحديد قيمة كل أرض على حدة، أم يتم تقسيم المدينة إلى نطاقات، ثم تحدد قيمة لكل نطاق في ضوء المعايير المحددة في النظام، بحيث تطبق القيمة على كل أرض داخل ذلك النطاق آخذا في الاعتبار أنظمة البناء المطبقة عليها، ومعامل توافر الخدمات العامة فيها، ووصول المرافق العامة إليها؟

رابعا: ما البرنامج الزمني المناسب لتطبيق الرسم بشكل تدريجي؟ خامسا: هل يتم تطبيق الرسم على جميع الأراضي البيضاء داخل المدن المستهدفة، أم تصنف الأراضي إلى فئات ويتم تطبيق الرسم على كل فئة بشكل تدريجي؟ سادسا: هل يمنح المكلف مهلة لتطوير أرضه، أم يطبق عليه الرسم مباشرة، ويتوقف تطبيقه متى انتهى من التطوير؟ سابعا: ما الضوابط اللازمة لمنع التهرب من دفع الرسم على الأرض؟ وهل يربط تنفيذ أي تعاملات تتعلق بالأرض (بيع أو رهن أو رخص بناء) أو بصاحبها (رخص أو غيرها من خدمات عامة) بالتسجيل وبسداد الرسم وما قد يلحق به من غرامات؟ ثامنا: ما الآلية المناسبة لتحديد معامل توافر الخدمات العامة للأراضي ووصول المرافق إليها؟ تاسعا: ما المعايير المقترحة لتحديد العوائق التي تحول دون صدور التراخيص والموافقات اللازمة لتطوير الأرض أو بنائها، التي يعتد بها في تقرير عدم تطبيق الرسم عليها؟

قبل الإدلاء بالرأي والإجابة عن تلك الاستفسارات بالتفصيل، لا بد من التأكيد على ركائز أساسية. أولى تلك الركائز: يتطلب أخذها بعين الاعتبار من لدن وزارة الإسكان، كونها المسؤول الأول عن نجاح أو فشل التطبيق الفعلي لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وهي أيضا التي سوف تتحمل بالدرجة الأكبر أي آثار سلبية محتملة في الاقتصاد الوطني والمجتمع، إذا أدى تطبيقها لنظام الرسوم بأي صورة قد يعتريها أي قصور أو إهمال أو تجاوز أو تساهل أو استثناء، أو أي عائق محتمل يمكن أن ينتهي إلى تعطيل النظام عن وصوله إلى تحقيق الأهداف الرئيسة التي لأجلها تم إقراره من الدولة، ومن أهم تلك الأهداف حسبما نص عليه النظام: (1) زيادة المعروض من الأراضي المطورة، بما يحقق التوازن بين العرض والطلب. (2) توفير الأراضي السكنية بأسعار مناسبة. (3) حماية المنافسة العادلة، ومكافحة الممارسات الاحتكارية.

ثاني الركائز: أن تدرك وزارة الإسكان تمام الإدراك؛ أنها في مواجهة التحدي التنموي الأكبر خلال المرحلة الراهنة بالنسبة للاقتصاد الوطني والمجتمع، وأن تستحضر في آليات عملها كافة في هذا الخصوص تحديدا، أن أي تقصير أو تساهل منها تجاهه ستكون له آثار سلبية بالغة الخطورة. وبناء عليه؛ يقتضي مشروعها التنفيذي لنظام الرسوم على الأراضي، أن يتسم بعدد من السمات التالية: (1) قياسا على حداثة تطبيق نظام جديد، يتعلق بأهم وأكبر التحديات التنموية خلال المرحلة الراهنة، والاحتمال الكبير لتعرضه لكثير من العوائق والصعوبات والاصطدام مع قوى داخل السوق العقارية، لا بد أن تأتي اللائحة في أول نسخة لموادها محصنة بأقوى العقوبات الرادعة، لتجاوز أي احتمالات للتلاعب أو التهرب أو لأي أمر قد يؤدي إلى هزيمة النظام أمام أي من تلك المعوقات المحتملة.

(2) لتحقيق النفوذ والسيطرة اللازمة لصالح نظام الرسوم على الأراضي على حساب خصومه، لا بد أن يتم تقليص الاستثناءات من تطبيقه إلى أدنى درجة ممكنة! ذلك أن أي استثناء سيتم استغلاله إلى أبعد مما تتخيله وزارة الإسكان، والأمر سيصبح أكثر خطورة إذا وصل عدد ومساحة الاستثناءات من تطبيق النظام إلى الدرجة التي يمكن لأصحاب المصالح المتعارضة معه، أن يوجدوا نوافذ أو ثغرات عديدة وواسعة لاختراق النظام ولائحته التنفيذية، وإسقاطه من ثم في مهده حتى قبل أن يرى النور! وماذا سيمنع أي من تلك القوى من استغلال أي استثناءات أو ثغرات سمح بها في اللائحة، وتوظيفها من ثم لمصلحتها أو لدفع أي آثار سلبية محتملة على ممتلكاتها من الأراضي؟

(3) أن تدرك وزارة الإسكان جيدا أن الدرجة البالغة التعقيد التي وصلت إليها أزمة الإسكان والسوق العقارية المحلية، لم يكن لها أن تصل إلى ما وصلت إليه على هذا المستوى المقلق تنمويا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، إلا نتيجة حتمية لما يحتويه رحمها من تشوهات كبيرة جدا، تأتت من السيطرة الكبيرة للاحتكار والمضاربة على الأراضي، ومن القصور والتأخير والبيروقراطية التي طغت أشكالها الواسعة الانتشار بكل أسف على أداء أغلب الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، وعليه فلا يمكن على الإطلاق أن تتصور وزارة الإسكان، أن جهودها على مستوى تطبيق للنظام قد يحمل أي نوع من التساهل أو الاستثناء أو التأخير، يمكن أن ترى أي بصيص من النجاح أو أدنى من ذلك! وأن جهودها لا تقف فقط عند مجرد وضع لائحة تنفيذية صارمة لتطبيق نظام الرسوم على الأراضي البيضاء؛ بل إن المطلوب منها سيكون أكبر بكثير في مسارات أخرى موازية لتطبيق النظام واللائحة، تتعلق أبرزها بالإسراع نحو معالجة ما يتعلق بوجوه القصور والبيروقراطية في أداء الأجهزة الحكومية الأخرى ذات العلاقة، وهو ما يعني بالضرورة أن تعمل بآلية متكاملة ومستمرة مع تلك الأجهزة على طريق حلها وتجاوز معوقاتها على أسرع وجه ممكن. وأستكمل في المقال التالي الإجابات التفصيلية عن الأسئلة التسعة التي تضمنتها استفسارات وزارة الإسكان بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2016/02/03/article_1027188.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.