الخيار الأقوى لمعالجة البطالة ودعم السعودة

أختتم في الجزء الثالث من النقاش الأخير بعد لقاء وزير العمل مع مجلس الشورى حول تحديات سوق العمل المحلية، وما آلت إليه أخيرا وما ينتظرها من منعطفات مستقبلية قريبة، بعد أن تم إيضاح المعضلة الأبرز في الوقت الراهن بالنسبة إلى وزارة العمل، التي أصبحت أغلب الجهود والموارد منصبة على مواجهة آثار برامج التوطين الأخيرة، أكثر منها مع المشكلات الأساسية للسوق؛ إيجاد الوظائف وتوطينها والحد من تفاقم معدلات البطالة بين شرائح الشباب أكثر من غيرها من الشرائح.

لقد أصبح طريق العودة إلى المربع الأول خيارا لا مجال للهرب منه، في الوقت ذاته الذي يقتضي التعامل بقدر أكبر من المرونة مع إفرازات وآثار برامج التوطين الراهنة بعد ثبوت عدم جدواها، وتحولها إلى عبء إضافي على كاهل وزارة العمل يضاف إلى جملة التحديات السابقة، وضرورة انضمام الأجهزة الحكومية ذات العلاقة بالسوق إلى صفها في سياق تلك العودة إلى المربع الأول لمواجهة تحديات البطالة وتدني كل من معدلات التوطين ومستويات الأجور، إضافة إلى ارتفاع معدلات الاستقدام والتوظيف من خارج الحدود، وما تبعها من آثار غير محمودة انعكست على ارتفاع مستويات التسرب الاقتصادي للخارج “ارتفاع فواتير تحويلات العمالة والواردات”، التي وصلت في نهاية العام الماضي إلى 796.4 مليار ريال كإجمالي مجموع التحويلات وقيمة للواردات “شكلت نسبة 45.8 في المائة من الناتج الإجمالي غير النفطي”.

يبدأ طريق المربع الأول لمواجهة أكثر فعالية وشمولية، لأجل تحفيز سوق العمل المحلية، وجعلها أكثر مرونة وإنتاجية، وربطها بصورة أكثر ارتباطا بالسياسات الاقتصادية الكلية، التي تهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني برمته، ليحقق ما تأخر إنجازه على طريق زيادة التنويع الإنتاجي، وتخفيف الاعتماد الكبير على النفط، والمضي به قدما نحو اقتصاد يرتكز على الإنتاج والتوظيف أكثر من احتياجه إلى الإنفاق الحكومي، الذي هو بدوره يعتمد بصورة مفرطة على عوائد النفط، وصولا إلى أن يصبح النشاط الاقتصادي هو الداعم للميزانية العامة وليس العكس، وأن يصبح الاقتصاد الوطني قادرا على إيجاد قنوات الاستثمار وتنويعها بالصورة المناسبة، التي تمتص فوائض المدخرات المحلية عوضا عن توجهها نحو قنوات المضاربة على أنشطة لا تخدم التنمية، بقدر ما أنها تلحق أضرارا بالغة بالاقتصاد ومستويات التنمية المستدامة؛ وتسببها في تضخم أسعار الأصول ما أدى إلى رفع تكلفة الإنتاج والمعيشة على حد سواء، ودفعها غير المحمود إلى زيادة التباين في مستويات الدخل بين طبقات المجتمع، الذي يعد من أخطر الآفات التي قد تبتلى بها الاقتصادات المعاصرة. هذا إضافة إلى أهمية أن تتوافر لدى الاقتصاد الوطني نتيجة لكل ما تقدم من إيجابيات مأمولة، القدرة على إيجاد مزيد من الوظائف الملائمة للباحثين عن فرص العمل الكريمة والمناسبة.

إننا في مواجهة أعداد كبيرة قادمة إلى سوق العمل المحلية، ففي الوقت الذي يستوعب التعليم العالي لدينا أكثر من 1.4 مليون طالب وطالبة من السعوديين، يضخ سنويا من حديثي التخرج نحو 10-11 في المائة منهم لسوق العمل “نحو 140 ألف طالب وطالبة”، بمعدلات نمو سنوية تتجاوز الـ 4-5 في المائة، عدا خريجي الدبلوم والثانوية العامة ومختلف المعاهد الفنية الأخرى بأعداد تتجاوز خريجي الجامعات وبرامج الابتعاث، ليصل المجموع الكلي سنويا لأعلى من 300 ألف خريج وخريجة، يقدر نموه السنوي بالمعدل المذكور أعلاه 4-5 في المائة، كل هذا ينبئ عن تنام كبير لتحدي توظيف العاطلين في بلادنا، وبالعودة إلى رصيد العاطلين عن العمل الذي يناهز – وفقا لأحدث البيانات – 651.3 ألف عاطل (أي أعلى من ضعف خريجي العام المالي الواحد بأرقام اليوم)، فإن التحدي التنموي هنا سيصبح كبيرا جدا، فأنت أمام تحد مكون من:

(1) ضرورة إيجاد الوظائف لرصيد العاطلين عن العمل.

(2) ضرورة إيجاد الوظائف لحديثي التخرج من التعليم.

ينتظر من وزارة العمل مدعومة بتكامل جهود بقية الأجهزة الاقتصادية والمالية الحكومية، أن يتم التعامل مع تحديات سوق العمل المحلية وفق منظومة عمل حكومية ومن القطاع الخاص، تتوافر لديها الرؤية الأشمل والأوسع تجاه تحديات الاقتصاد الوطني بأكمله، وفي مقدمتها تحديات سوق العمل، أي ما مؤداه أننا بصدد مقترح جديد للعمل بالكامل خارج مظلة البرامج العديدة التي ابتكرتها وزارة العمل خلال الأعوام الأخيرة.

لهذا؛ تؤكد التحديات الراهنة والقادمة على الاقتصاد الوطني وسوق العمل المحلية، أن أدوات الحل والعلاج من الواجب أن تختلف كليا وتفصيليا عن كل ما مضى من برامج للتوطين، وهو أمر لا يشك فيه عاقل؛ فمع تغير الإطار والرؤية التي سينظر إلى سوق العمل من خلالها، التي ستكون في – كما تقدم ذكره – ذات أطراف أخرى غير وزارة العمل، لا بد أن يتغير كل ما ينتج عنها من معايير وإجراءات لتنظيم سوق العمل، التي ستتحول من خلال تلك الرؤية الشاملة إلى جزء من كل ستتم معالجته، وليس كما كان سابقا كلا، بغض النظر عما يجري في بقية نشاطات الاقتصاد الوطني!

إنها الخطوة التنموية الجيدة التي يؤمل أن تحتل وزارة العمل موقعها كقائد ضمن منظومة أوسع من الأجهزة الحكومية وفي القطاع الخاص، التي تتمتع كل واحدة منها بالإشراف والتأثير والقوة على القطاع أو النشاط الذي تشرف عليه، فتكون بمثابة المؤشر الذي يحدد وينظم وينسق العمل في اتجاهات يخدم بعضها بعضا، لا أن تتضارب أو تتصادم مع بعضها البعض. إنني على يقين تام أن عملا بهذه الآليات والتوافق والتنسيق المشترك والمستمر، ستكون له الآثار الإيجابية الأكثر نفعا وجدوى للاقتصاد والمجتمع على حد سواء، وقد لا تظهر نتائجه الإيجابية في المنظور القريب، إلا أنها بمجرد الظهور ستكون أكثر ديمومة واستمرارا وحياة، وأكثر نفعا لكافة الأطراف، وليس لمصلحة طرف على حساب طرف آخر، كما أنها ستتيح حلولا مستدامة طويلة الأجل لأحد أهم قضايا وتحديات الاقتصاد والمجتمع، تتيح أفاقا واسعة من الخيارات التنموية المجدية لقطاع الأعمال وللباحثين عن فرص عمل من المواطنين والمواطنات على حد سواء، وتخرجنا من نفق التضارب الراهن بين مصالح عديد من الأطراف، فقد تتخذ قرارات معينة لمصلحة قطاع الأعمال، إلا أنها تأتي على حساب العمالة الوطنية، وقد يحدث العكس! وهذا لم يحدث إلا بسبب التزاحم في النقطة الضيقة التي تقف عليها سوق العمل المحلية، في حين إن العمل وفق منظومة أوسع سيتيح لنا جميعا الانتقال بالاقتصاد الوطني وبالسوق إلى مواقع أكثر انفتاحا وأوسع خيارات. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2016/02/01/article_1026626.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.