الوجه الجديد للاقتصاد السعودي

يمكن القول عن ثقة كبيرة، إن العام القريب 2016، سيحمل كما عملاقا من التغيرات والتطورات الهيكلية اقتصاديا وماليا، قد تكون الأكبر حجما والأثقل وزنا في التاريخ المعاصر للاقتصاد الوطني. وهي التغيرات التي يؤمل من خلالها أن يتحول الاقتصاد بكافة قطاعاته الرئيسة إلى مزيد من التنافسية والإنتاجية العالية الكفاءة، التي تستهدف زيادة طاقته الاستيعابية، وقدرته على تحقيق النمو المستدام والشامل باستقلالية أكبر عن النفط المتقلب سعريا، وتأهيله بدرجات أكبر على مستوى إيجاد فرص أكبر للتوظيف، وتعزيز وتنويع قاعدته الإنتاجية، من خلال زيادة جاذبية الاستثمار في بيئة الأعمال المحلية، وتوظيف الثروات الوطنية الهائلة في مساراتها، في الوقت ذاته الذي تنحسر دوائر الاحتكار وتدوير الأموال والمضاربات العشوائية وفقا لأوضاعها السابقة، التي ألحقت كثيرا من الأضرار بالاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.

قد يكون من السابق لأوانه في هذه المرحلة بالذات الحكم أو الحديث بالتفصيل عن واحد من أهم المشاريع الوطنية “برنامج التحول الوطني”، خاصة أنه لا يزال في الطور النهائي والأخير من حيث الإعداد والصياغة، إلا أن المقدمات والحقائق التي استعرضها أخيرا، تؤكد فعليا أن مسار الاقتصاد الوطني على وشك خوض طريق جديد بالكامل، وتتطلب أهميته القصوى لكافة الأطراف أن يتم تقديمه إلى مختلف شرائح المجتمع السعودي بأوضح وأيسر وسائل الشرح والإيضاح، وأن أهدافه النهائية تصب في مصلحة البلاد والعباد، وأن ما سيلي البدء في العمل بكل تلك الطموحات التي تضمنها البرنامج، سيعيد رسم وتصميم الهيكل الاقتصادي المحلي، ليصل به إلى مستوى الاقتصاد المنتج على أسس تنافسية، وهو التطور الذي أصبح لا مجال من العمل على تحقيقه مهما كلف، كونه النمط الذي يمتلك القدرة على تلبية احتياجات التنمية المستدامة الشاملة، وفي الوقت ذاته القادر على تجاوز كافة التحديات والإشكالات التي طالما عاناها الاقتصاد والمجتمع خلال العقدين الأخيرين على وجه التحديد.

سيكون في مقدور اقتصادنا الوطني تجاوز التحديات التي ترتبت على قصور عديد من السياسات الاقتصادية العتيقة، التي توزعت بين عديد من جوانب التنمية المستدامة كالتوظيف وتحسين مستوى الدخل، وتقليص فجوات التباين في مستويات الدخل بين طبقات المجتمع، والحد من أشكال الاحتكار والتستر التجاري، وتحسين بيئة الاستثمار المحلية، وتعزيز التنافسية في السوق المحلية، ومعالجة عديد من الأزمات كالإسكان، وسرعة تطوير البنى التحتية، والارتقاء بالرعاية الصحية، وتوسيع فوائد التنمية الشاملة والمستدامة لمختلف الشرائح السكانية، التي يتحمل مسؤولية قصورها بالكامل الحلقات التنفيذية الوسيطة سواء الأجهزة الحكومية التنفيذية أو منشآت القطاع الخاص المتعاقد معها، ويتفاقم حجم هذا القصور من تلك الأجهزة مع تعاظم حجم الإنفاق الحكومي الضخم، كونه لم يعكس السخاء الكبير الذي حظيت به من قبل الدولة، فلم يترجم إلى منجزات تعالج ما تقدم ذكره من آثار تنموية سلبية، بقدر ما أنها زادت بكل أسف من عمق تلك التشوهات الهيكلية، وزادت من الاعتماد والارتخاء على ساعد الإنفاق الحكومي المباشر وغير المباشر “الإعانات، والقروض الميسرة من صناديق التنمية”.

إن البدء في تحرير أسعار الطاقة كأحد أهم ملفات التحول الاقتصادي في المرحلة القريبة، والتخفيف التدريجي لضخ الإعانات الحكومية الأخرى للغذاء والزراعة، واقترانه بتحسين وتطوير السياسات الاقتصادية، مع الأخذ في عين الاعتبار الضرورة القصوى لاتخاذ التدابير الكافية تجاه مختلف شرائح المجتمع من السعوديين، سواء عبر تركيز الإعانات الحكومية أو عبر إعادة هيكلة الأجور والرواتب “الحكومة، القطاع الخاص”، إضافة إلى تحسين بيئة الاستثمار المحلية، وتسهيل تأسيس الأعمال بصورة شاملة، والاهتمام الأكبر بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، يؤمل أن يتم كل ذلك وغيره من التغييرات المنشودة وفق الرؤية الاستراتيجية المتكاملة، التي يحملها برنامج التحول الوطني، لا أن يتم أي من تلك الإجراءات بطريقة منفصلة من قبل الأجهزة الحكومية المعنية، وهو الطريق الأفضل والممكن تحققه في الوقت الراهن تحت مظلة مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، عوضا عن السير المتئد الخطى لخطط التنمية.

إذاً والحال تلك من التغيرات المحتملة، التي تبين أن تحرير أسعار الطاقة لا يقف عند هذه الخطوة فحسب، بل لا بد أن يأتي ضمن تغييرات واسعة وشاملة لنسيج السياسات الاقتصادية الراهنة، بما يشبه إعادة هيكلة الاقتصاد الكلي، بالصورة التي تستهدف إيجاد اقتصاد أعلى إنتاجية، وأكثر تنوعا من وضعه الراهن، وقبل كل ذلك أكثر تنافسية بعيدا عن الاعتماد شبه الكامل للإنفاق الحكومي المباشر وغير المباشر، وتيسير السبل كافة أمام القطاع الخاص عبر تسهيل بيئة الاستثمار المحلية، وفتح نوافذ المنافسة الكاملة والحد من أشكال الاحتكار، بما يكفل سهولة توجه السيولة والثروات نحو قنوات الاستثمار المتنوعة، التي تخدم احتياجات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، وتغلق قدر الإمكان تدفقها نحو المضاربة أو التكدس في أصول غير منتجة كالأراضي أو غيرها من الأصول.

كل هذا سيترتب عليه كثير من المزايا الاقتصادية والتنموية، يمكن إجمالها في انحسار التشوهات المذكورة باختصار أعلاه، مقابل انفتاح كثير من فرص النمو والاستقرار الاقتصادي محليا، ويعز على الكاتب الاعتراف بأن كل ما تقدم لا يزال في طور النظرية بعيدا عن تحققه في الواقع، وأن أي تحرك خارج هذا المنظور قد يلحق كثيرا من الآثار السلبية بالجوانب التنموية والاجتماعية، وقد يكون أكثرها ضررا أن تتم أي من تلك الخطوات أو الإجراءات دون أي تغيير في السياسات الاقتصادية.

أخيرا؛ لا يوجد أي تحول جذري في أي اقتصاد حول العالم دون أن يرافقه بعض الآلام، إلا أنها رغم كل ذلك تأتي أدنى وقعا وسلبية من استمرار حياة التشوهات الهيكلية المتسببة في ضرورة القيام بتلك الإصلاحات والمعالجة، خاصة إذا كانت تلك التشوهات واسعة الانتشار، وآخذة في التفاقم عاما بعد عام كما هو قائم في المشهد التنموي والاقتصادي المحلي. يمتلك الاقتصاد الوطني كثيرا من الإمكانات والموارد الكافية، للتحول نحو الهيكلة اللازمة لتحقيق أهدافه التنموية مهما بلغ سقف طموحاتها. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/12/21/article_1015765.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.