لماذا التفكير في تحرير أسعار الطاقة محليا؟

استكمالا لما بدأت الحديث حوله فيما يتعلق بأبرز التحديات التنموية، التي تواجه اقتصادنا الوطني، وكون المرحلة الراهنة خاضعة لتأثير تراجع أسعار النفط عالميا، وسعي الدولة الحثيث لتجاوز هذا التحدي، سأبدأ في تناول تلك التحديات انطلاقا من العمل الجاري الآن لأجل تصحيح الاستهلاك المفرط لمواردنا الناضبة من مصادر الطاقة، وضرورة العمل على الانتقال من آلية التحفيز المعمم لأسعار الاستهلاك، إلى آلية تخصيص ذلك التحفيز فقط على الشرائح المستحقة، الذي بدوره سينقل الاقتصاد الوطني إلى مستوى أعلى من التنافسية رغم آلام مرحلة الانتقال، والاستقرار به في مستوى يعتمد على الإنتاج والنمو المستدام المدفوع بأداء القطاع الخاص، لا كما كان قائما عليه طوال عقود مضت؛ معتمدا على الإنفاق الحكومي من جانب، ومن جانب آخر التحفيز الحكومي (الدعم المعمم)، الذي ذهب أغلبه إلى الشرائح والقطاعات غير المستحقة له في الأصل، مقابل عدم الاستفادة المأمولة أو المماثلة على أقل تقدير للشرائح الأكثر استحقاقا.

والبدء بتناول هذا الملف كأول التحديات التنموية المحددة سلفا في المقالات الأخيرة (السوق العقارية والإسكان، سوق العمل والبطالة، تأخر درجة تقدم تنويع القاعدة الإنتاجية، الفساد، قصور أداء الأجهزة الحكومية، الاستهلاك المفرط لمواردنا من الطاقة، ضعف دعم المنشآت المتوسطة والصغيرة، استمرار تفاوت مستويات التنمية بين المناطق الحضرية الكبرى والحضرية الصغرى، تفاقم أشكال اقتصاد الظل، والأمن المائي والغذائي)، لا يعني أنه ذي الأولوية على غيره من بقية التحديات، بقدر ما أنه يعتبر الموضوع الأبرز خلال المرحلة الراهنة، التي يزمع خلالها راسمو السياسات الاقتصادية والمالية للاقتصاد الوطني، معالجتها وفق آليات محددة، تغلق من خلالها عهدا اعتاد على الاستهلاك المدعوم بالتحفيز المعمم، لتفتح طريقا جديدا يتخذ تحرير الأسعار عنوانا له، مع الأخذ في عين الاعتبار أن يتركز الدعم على الشرائح الأكثر استحقاقا من غيرها.

ولا يمكن التقدم في الحديث حول هذا التوجه الإيجابي، دون ذكر الخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة طوال الأعوام الأربعة الماضية، وتحديدا على مستوى رفع كفاءة الاستهلاك، تحت مظلة البرنامج السعودي لكفاءة الطاقة، الذي عكف على تنفيذه المركز السعودي لكفاءة الطاقة، وفق منظومة عمل متكاملة لأكثر من 18 جهة حكومية، إضافة إلى كبريات منشآت القطاع الخاص ذات العلاقة، التي يكفي القول عنها في شأن هدفها النهائي، الذي بتحققه في منظور الخمسة عشر عاما المقبلة، سيؤدي إلى توفير نحو 1.5 تريليون ريال بفضل رفع مواصفات استهلاك واستخدام الأجهزة الكهربائية باختلاف أنواعها، ووسائل النقل الصغيرة والكبيرة، إضافة إلى إلزامية عزل المساكن والبناء، عدا رفع مواصفات كافة خطوط الإنتاج بالنسبة للمصانع والمعامل في مختلف منشآت القطاع الخاص. ويفترض أن تأتي جهود وسياسات تصحيح أسعار استهلاك مصادر الطاقة الناضبة، متممة لكل تلك الجهود الكبيرة والناجحة التي تم اتخاذها وتحقيقها حتى تاريخه.

بناء على ما تقدم؛ وحتى تتضح الصورة أكثر لدى القارئ الكريم؛ تقف الإعانات الحكومية لأسعار استهلاك موارد الطاقة من كهرباء وغاز ومحروقات وغيرها، خلف الانخفاض في فواتير استهلاك تلك الموارد، وعادة ما تقاس تلك الإعانات الحكومية بالفارق بين كل من أسعارها في السوق المحلية مقارنة بالأسواق العالمية، على سبيل المثال كاستهلاك الكهرباء، عوضا عن أن يدفع المستهلك المحلي رسوم الكهرباء اعتمادا على التكلفة الحقيقية لإنتاجها (الأسعار العالمية للوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء)، تتحمل الحكومة دفع الفارق بين تلك الأسعار العالمية للديزل وزيت الوقود والزيت الخام والغاز الطبيعي المستنفدة لإنتاج الكهرباء، ورسوم الاستهلاك التي يدفعها مختلف شرائح المشتركين في الكهرباء، بمعنى أنه لو غابت هذه الإعانة الحكومية المعممة، التي لا تفرق بين المستهلك المحدود والمتوسط الدخل الأكثر احتياجا لها، وذلك المستهلك الثري جدا، أقول لولا تلك الإعانة لرأيت فاتورة الكهرباء التي يدفعها المواطن بقيمة 200 ريال شهريا على سبيل المثال، أنها قد تتجاوز في غيابها نحو 1000 إلى 1200 ريال، وكذا الحال بالنسبة لوقود السيارات، التي قد تتطلب من المستهلك المحلي في المتوسط الشهري نحو 100 إلى 200 ريال لتزويد سيارته بالوقود، أن يدفع في غياب تلك الإعانة خمسة أضعاف هذا الرقم أو أكثر، وهكذا بالنسبة لبقية السلع والخدمات التي تستنزف عشرات المليارات سنويا من الموارد الناضبة للاقتصاد والبلاد. هذا باختصار شديد ما يجري الحديث عنه في الوقت الراهن، أرجو ألا يخل اختصاره هنا بالفهم الدقيق والشامل لكامل الموضوع.

توجد رؤيتان مختلفتان تماما تجاه هذا الملف؛ الأولى: ترى السحب التدريجي للدعم الحكومي (أو التحفيز)، وتركيزه في نطاق محدود جدا على الشرائح الاجتماعية الأدنى دخلا، عبر عديد من البرامج الحكومية المقترحة كبطاقات التموين لتلك الشرائح، ودون إجراء أية تعديلات أو زيادات على أجور العاملين في القطاعين الحكومي والخاص. وتتبنى هذا التوجه الهيئات والمنظمات الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.

أما الرؤية الثانية: فرغم أنها توافق الرؤية الأولى في ضرورة السحب التدريجي للدعم أو التحفيز الحكومي، إلا أنها تختلف عنها في البرامج الموازية لعمليات السحب، لاهتمامها بعدد من الاعتبارات الأخرى، لعل من أبرزها: (1) انخفاض مستوى الأجور الحقيقية لأغلب المواطنين، الذي يعتبر المؤشر الحقيقي لدخل الأفراد، مقارنة بغيره من المؤشرات غير الدقيقة التي تستند إليها تلك الهيئات والمنظمات، وكونه الدخل الحقيقي المقابل لأعباء المعيشة الفعلية التي يكابدها الفرد (الإيجار المرتفع للمسكن، فاتورة استهلاك السلع والخدمات الضرورية)، التي تستقطع الجزء الأكبر من الدخل السنوي له، وهي المشقة التي لم تعد تفرق بين محدودي الدخل أو متوسطي الدخل. (2) غياب بدائل النقل داخل المدن والمحافظات، التي بدأ العمل على تطويرها متأخرا، ويتطلب اكتمال جاهزيتها سنوات عديدة قادمة.

كما توجد رؤية أخرى؛ تقترح تنفيذ مزيج من الرؤيتين المذكورتين أعلاه بصورة فورية، ودون التدرج الزمني (كالتجربة الفنلندية)، مقترنة بدعم مالي إضافي على ميزانية أرباب الأسر، ويؤمل أن تأخذ بعين الاعتبار أعداد أفراد الأسرة. لهذا تحمل البرامج الموازية لهذه الرؤية حال القيام بالسحب التدريجي للدعم الحكومي على الاستهلاك المحلي لموارد الطاقة، عديدا من الاقتراحات اللازم الاهتمام بها وتنفيذها، فلا تقف عند مجرد إصدار بطاقات تمويلية للشرائح الاجتماعية الأدنى دخلا فقط، بل تتجاوزها إلى ضرورة زيادة مستويات الأجور السنوية للعاملين من المواطنين، بالتركيز الشامل على الشرائح المتوسطة الدخل فما دون، الذين يشكلون أكثر من 90 في المائة من العمالة في القطاعين الحكومي والخاص، وإن كانت النسبة ستكون أعلى بالنسبة للعاملين في القطاع الخاص.

ختاما، لا يكفي ما تقدم من حيث مناقشة تفاصيل ملف تحرير أسعار استهلاك الطاقة محليا، فهو يتطلب مزيدا من النقاش حوله، فلا بد من التطرق إلى آثار استدامة الوضع الراهن، التي يغلب على أكثرها الصفة السلبية، بدءا من ذهاب أغلب الدعم الحكومي هنا للشرائح غير المستحقة له من الأثرياء وغير المواطنين، مقابل محدودية الفائدة الفعلية للشرائح المستحقة له من أفراد المجتمع، وانتهاء بارتفاع فاتورته على كاهل الاقتصاد الوطني، وتسببه في زيادة اعتماد أغلب منشآت القطاع الخاص عليه، وانخفاض إنتاجيتها، إلى الدرجة التي أصبح أغلب هوامش أرباح تلك المنشآت يعتمد بنسبة 100 في المائة على تلك الإعانات الحكومية! فإلى الملتقى قريبا لاستكمال الحديث عن بقية المحاور. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/12/16/article_1014559.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.