قدرة الاقتصاد السعودي على التقدم

أستكمل ما تبلور في متن المقال الأخير، على مستوى التحديات التنموية التي يتأهب الاقتصاد السعودي لتجاوزها بعون الله تعالى، التي ستكون إحدى أهم ركائز طريق تحوله وانتقاله إلى مستويات أعلى على مستوى الإنتاجية والكفاءة، ممثلا في الإنسان السعودي، الذي ارتفعت مؤهلاته العلمية والعملية بصورة لافتة خلال العقدين الماضيين، الذي يقف في الوقت الراهن على كتلة مجتمعية مرتفعة التأهيل على مستوى كل من العلم والخبرة، وهو ما تؤكده الإحصاءات السكانية الأخيرة حتى نهاية 2014، التي بينت ارتفاع نسبة حملة الشهادة الجامعية فأكثر إلى أعلى من نحو 17.2 في المائة من إجمالي السكان من سن 15 فأكثر، وهي التي لم تكن تتجاوز نسبة 3.8 في المائة في نهاية 1992، مقابل الانخفاض الكبير في نسبة الأمية والقادرين على القراءة والكتابة فقط من 47.1 في المائة بنهاية 1992 إلى ما دون 11.3 في المائة بنهاية 2014. وفي ضوء تلك الوتيرة من التحولات المجتمعية التي يمضي في غمارها المجتمع السعودي الفتي؛ يقدر وفقا لمعدلات نموها الراهنة أن ترتفع نسبة حملة الشهادة الجامعية إلى أعلى من 27.8 في المائة بحلول عام 2024، وأن تنخفض في المقابل نسبة الأمية والقادرين على القراءة والكتابة فقط لما دون 2.3 في المائة.

إن مما لا شك فيه أن نسيجا مجتمعيا سريع التطور والتغير كما يشهده المجتمع السعودي في الوقت الراهن، وفي منظور المستقبل القريب، يمتلك الأهلية الكافية للتكيف سريعا مع التحولات المرتقبة المقبلة على الاقتصاد الوطني، والأهم من كل ذلك؛ أنه مؤهل بدرجة كافية ليتولى بدوره زمام المبادرة في الدفع بمقدرات الاقتصاد نحو الأمام، وأن يتولى أيضا مهام التغيير والتطوير وتحقيق التقدم اللازم لبلاده، يدفعه وراء كل ذلك النتائج الإيجابية المرتقبة لتحولات الاقتصاد الوطني كمحفزات سيكون هو أكبر الرابحين منها، في الوقت ذاته الذي تبين فيه اشتراطات نجاح هذا التحول، واجتماعها حول تحقق تلك الغايات السامية إلا بتكاتف أفراد المجتمع السعودي، وتحملهم قبل أي طرف في معادلة التقدم المنشودة المسؤوليات والمهام والأعباء الأكبر على مستوى العمل والإنتاج والتغيير.

من هذا المدخل الحيوي؛ يمكن القول عن ثقة إنه نقطة البداية لأي مشروع تنموي مستقبلي، وإنه البوابة الأكثر جدارة للبدء في مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية، سواء تلك التحديات العشرة التي استعرضها المقال الأخير، أو حتى تلك المحتملة في طريق المستقبل. تقوم أسس هذا المدخل الأكثر تفضيلا هنا، على ضرورة اضطلاع أفراد المجتمع السعودي من نقطة البداية بالمشاركة وتحمل مسؤولية رسم وتصميم خطوط عبور طريق التحول، مرورا بالتنفيذ وتحمل واجبات الأداء الفعال والمنتج، نهاية بجني الثمار الإيجابية لمرحلة التحول، والوصول بمقدرات الاقتصاد الوطني إلى الأهداف الموضوعة، وهو الأمر الذي لا شك أنه سيكفل كثيرا بلوغنا جميعا نقطة النهاية، بمنهجية هي في الغالب الأدنى تكلفة، والأعلى عائدا، والأكثر مرونة وتكيفا مع أية تقلبات قد تطرأ نتيجة التحول التنموي والاقتصادي المنشود.

إن منح الثقة الكاملة بقدرة المجتمع السعودي كأفراد على قدر عال من الأهلية العلمية والعملية، كفيل بدرجة أقرب إلى الكمال وفق الظروف الراهنة؛ أن يتيح بين يديك الإجابة الكاملة والإيجابية عن قدرة الاقتصاد السعودي على التقدم، والنجاح الكافي واللازم الكفيل بمضي خطة تحول الاقتصاد الوطني إلى الأهداف المنشودة على أعلى مستوى من الأداء بمشيئة الله تعالى، وهو ما يقوم العمل عليه في الوقت الراهن بحمد الله. إن من الأهمية بمكان أن يتم إيضاح هذا الجانب الحيوي للجميع، وأنهم شركاء رئيسين في أي عملية تنموية للبلاد واقتصادها الوطني، وأنهم أول الأطراف الرابحين لتحقق الأهداف المشروعة والمنشودة لأي مشروعات إصلاحية أو تطويرية.

بناء على كل ما تقدم التأكيد عليه؛ لا يخشى على الاقتصاد والمجتمع على حد سواء من أي احتمالات للتأخر أو التعثر، بل إنه يمكن القول إن هذه الركيزة للعمل والإصلاح والتطور القائمة نشاطاتها في الوقت الراهن وفي المستقبل القريب، ستكفل بإذن الله تعالى مراحل ناجحة من الانتقال السلس على الطريق الطويل للتحول والتقدم، بغض النظر عن نوع وماهية تلك التحديات التنموية الراهنة، أو حتى تلك المحتملة في المستقبل، وهو الركيزة الرئيسة التي التزم بها عديد من البلدان حول العالم، التي أخضعت اقتصاداتها ومجتمعاتها للإصلاح والتحول، فيما احتلت بقية الركائز الأخرى مواقع مختلفة حسب تجربة كل بلد من تلك البلدان، ووفقا للموارد والمقدرات التي توافرت لديها.

وفقا لهذا التمهيد المبدئي والرئيس الذي كان لا بد منه؛ سيتم استعراض أهم التحديات التنموية العشرة (السوق العقارية والإسكان، سوق العمل والبطالة، تأخر درجة تقدم تنويع القاعدة الإنتاجية، الفساد، قصور أداء الأجهزة الحكومية، الاستهلاك المفرط لمواردنا من الطاقة، ضعف دعم المنشآت المتوسطة والصغيرة، استمرار تفاوت مستويات التنمية بين المناطق الحضرية الكبرى والحضرية الصغرى، تفاقم أشكال اقتصاد الظل، والأمن المائي والغذائي)، وغيرها من التحديات التنموية المحتملة مستقبلا، على أساس أن المجتمع السعودي هو الركيزة الرئيسة، والمورد الأجدر بالاعتماد عليه بحول الله وتوفيقه، للمضي قدما في الطريق المشروع والمأمول لتحول الاقتصاد السعودي، وانطلاقه نحو الآفاق الإيجابية المستحقة، كل هذا سيتم استكماله وإن طالت الكتابة عنه في ثنايا المقالات القادمة بمشيئة الله، وهل هناك أهم وأجدر من التفكير المشترك في مقدرات بلادنا وأهلها، وتناولها بالحوار الثري والمسؤول؟ وسعيا من الجميع في هذا الوقت ومستقبلا نحو إنجاح طموحاتنا المشتركة والمشروعة، لأجل المحافظة على مقدرات هذا الجزء المهم جدا من العالم اليوم، فإلى الملتقى قريبا. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/12/14/article_1014195.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.