هل جابت “ماكينزي” رأس غليص؟

ليست مفاجأة على الإطلاق ما أتى في التقرير المنشور أخيرا لشركة ماكينزي حول واقع ومستقبل الاقتصاد السعودي، سواء على مستوى وصف التشوهات الكامنة في الهيكل الاقتصادي، أو على الأهداف المشروعة للإصلاح الاقتصادي المنشود، لقد سبقها بفترة طويلة جدا الكثير من الهيئات الدولية في مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليان، خاصة صندوق النقد الدولي عبر تقاريره السنوية عن أداء الاقتصاد السعودي، أما على مستوى المؤسسات المماثلة لـ”ماكينزي”، فلسنا ببعيدين عن محتوى التقرير الاستراتيجي الذي أصدره المعهد الكوري للتنمية منتصف عام 2012 بطلب من وزارة الاقتصاد والتخطيط، بما احتواه من تحذيرات آنذاك عن واقع الاقتصاد السعودي ومستقبله ونقاط ضعفه وقوته. إلا أن أكثر تلك التوصيات من خارج الحدود على مستوى الطرافة، تلك التوصية التي ولدت تحت قبة منتدى جدة الاقتصادي 2007، حينما أسرف مختص صيني في حديثه أمام أكثر من 1000 سعودي وسعودية حول واقع مستقبل الاقتصاد السعودي، واختتامه توصياته “المشرقة” بضرورة ضخ المزيد من الاستثمارات لدينا في مجال “الفحم”، خاصة أننا على حد قوله “المبين” نحتل المرتبة الأولى عالميا في إنتاج الفحم!

إنّه مجال النقاش الذي طالما أثراه كثيراً وسطنا الاقتصادي والمالي المحلي، إلا أنّه كما قال أجدادنا وقد صدقوا (زامر الحي الذي لا يُطرب)، والاختلاف كما أشرتُ أعلاه دائماً ينصبُّ على آليات الخروج من واقعٍ ممتلئ بالتشوهات، إلى واقعٍ مأمول مفعم بالفرص والنمو والتقدّم! وهو اختلاف لمن يدرك ويفهم جيداً ما يتم الحديث عنه هنا، منصبٌ على أهم وأخطر مفاصل الإصلاح الاقتصادي المأمول! وعنده تتفارق النتائج كالمسافة التي بين الشرق والغرب، وتحت ظلاله يمكن أن تختلف ثمار المحصول إلى أبعد مما يتصور المرء، فقد تزرع في الأرض بذرة “تفاح” وهي ليست كذلك، لتتفاجأ عند الحصاد أنها لم تتعد نتيجة زراعة بذرة “زقوم” دون أن تعلم أنها كانت “زقوماً”!والاختلاف ينصب على واقع كيفية تقويم الاخطاء ومعالجتها، إلى واقع مأمول مفعم بالفرص والنمو والتقدم! وهو اختلاف لمن يدرك ويفهم جيدا ما يتم الحديث عنه هنا، منصب على أهم وأخطر مفاصل الإصلاح الاقتصادي المأمول! وعنده تتفارق النتائج كالمسافة التي بين الشرق والغرب، وتحت ظلاله يمكن أن تختلف ثمار المحصول إلى أبعد مما يتصور المرء.

ليس جديدا على أحد القول إن تحديد المشكلة وتوصيفها الدقيق يمثل 50 في المائة من الحل، وإن ما سيليه من إجراءات وقرارات وتطبيق لها لأجل المعالجة هو الجزء المتمم للقضاء على تلك المشكلة. بناء عليه؛ تقتضي الحالة العامة لمواجهة تلك المشاكل والتحديات والأزمات، أن يتوافر عدد من السمات الشخصية لدى من سيأخذ على عاتقه مهمة اكتشافها وتشخيصها ومعالجتها، لعل من أبرز تلك السمات وأهمها؛ أن يتحلى بسعة الأفق العلمي والفكري، والخبرة العملية الكافية المدعومة بالعلم والتدريب، والصبر المقترن بالحلم وعدم التسرع وتقبل مختلف الآراء، والحزم والجدية والدقة في العمل بدرجة كافية حال اتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها خطوة بخطوة.

بعيداً جداً عن “رأس غليص” الذي اصطادته “ماكينزي” وغيرها من الشركات والمؤسسات العابرة للقارات، فنحن نواجه تحدياتٍ جسيمة في العديد من جوانب حياتنا، استمدّتْ وجودها من عددٍ من الاختلالات الجاثمة في مختلف الهياكل والأنظمة والسياسات، منها ما هو آتٍ من الجانب الحكومي التنظيمي ومنها ما هو آتٍ من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية. ولكي تنجح أية جهود لتجاوز تلك التحديات، لا بد أنْ من تبدأ من تلك الاختلالات في مصادرها الرئيسة، لا أنْ تُخدع بالبدء من الظواهر أو النتائج التي أفرزها وجود تلك الاختلالات!

وأنّ الوقوع في “فخ” البدء من النقطة الأخيرة، كما ظنّته “ماكينزي” أو غيرها، أؤكد أنّ الانسياق خلف توصياتها دون فحصٍ مسؤول، يدرك كل خفايا وأبعاد أيّ منها، فإنّ من أدنى نتائجه الوخيمة، القول بأنّه لنْ ينتج عنه إلا هدراً في الأموال والجهود، والدخول من ثم في حلقةٍ مفرغة من العمل المشتت تماماً، لن يُجنى من وراءه إلا تفاقماً في حجم تلك التحديات وآثارها السلبية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أخطر ما قد يُبقي المرء أسيراً “لورطة هذه الحلقة المفرغة” دون أنْ يشعر بها، وهو أنْ تظهر له من وقتٍ لآخر بعض النتائج الإيجابية أو التحسّنات في الأداء، سرعان ما تختفي آثارها في مراحل لاحقة دون شعورٍ منه! ليبقى أسيراً لهذه الحلقة المفرغة تحت تأثير تلك النتائج اللحظية، في الوقت الذي لم يشعر به أنّ مفعولها السريع والسحري قد ذهب أدراج الرياح.

لهذا؛ أؤكد على خلاصة أهم التحديات التي يواجهها اقتصادنا الوطني في الوقت الراهن، وبعد استعراضها سيتم الذهاب في مسار كل واحدة منها، بما يوجب علينا القيام به تجاهها من معالجة وإصلاحات لازمة، والخروج في نهاية الحديث بأهم معالم الطريق الذي علينا السير فيه، مع الأخذ في عين الاعتبار بعديد من الجوانب الحيوية المرتبطة بالاستقرار السياسي والاقتصادية والاجتماعي والأمني وبكل مقدرات بلادنا العزيزة.

أستعرضها هنا على عجل في أهم وأبرز التحديات العشرة التالية: (1) تحديات السوق العقارية والإسكانية. (2) تحديات سوق العمل، وارتفاع معدلات البطالة تحديدا بين شرائح الشباب. (3) تأخر درجة تقدم تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني. (4) الفساد بأشكاله الإدارية والمالية كافة، الذي يعد العدو اللدود لأي اقتصاد ومجتمع يستشري فيه. (5) قصور أداء الأجهزة الحكومية، الذي تسبب في تشكل فجوة تنموية هائلة، قدر حجمها على مستوى تنفيذ المشروعات خلال العقد الماضي بما يناهز الـ 2.1 تريليون ريال. (6) الاستهلاك المفرط لمواردنا من الطاقة، الذي ظل يتنامى عاما بعد عام بمعدلات قياسية، حتى وصلنا إلى استهلاك ثلث قدرتنا الإنتاجية من النفط. (7) ضعف دعم المنشآت المتوسطة والصغيرة، التي كان مقدرا لها لو توافر أن تتصاعد مساهمتها في الاقتصاد الوطني من حيث الحصص، والتوظيف وإيجاد فرص العمل أضعاف ما هي عليه اليوم من ضعف وهشاشة، ولعل تأسيس هيئتها أخيرا طريقا إيجابيا تحققت أحلامه بعد عقدين من المطالبة محليا به. (8) استمرار تفاوت مستويات التنمية بين المناطق الحضرية الكبرى والحضرية الصغرى “النائية. (9) تفاقم أشكال اقتصاد الظل “الاقتصاد الأسود”، وما يمثله من مجموع الأنشطة التجارية المسيطر عليها من العمالة الوافدة سواء تحت جريمة التستر التجاري، أو غيره من الأنماط التي سهلت لها ممارسة تلك الأنشطة خارج دائرة الاقتصاد الرسمي، ويقدر تراوح حجمه بين 30 في المائة إلى 40 في المائة من حجم الاقتصاد الكلي. (10) الأمن المائي والغذائي، ذلك أننا حينما نجد أن أغلب استهلاكنا في هذا الجانب الحيوي البالغ الأهمية يعتمد على تحلية المياه والاستيراد من الخارج، وفي الوقت ذاته تصدير العديد من السلع المنتجة محليا المتضمنة تلك المياه المكلفة ماليا بالنسبة إليها بأثمان بخسة، فلا شك أن أهمية هذا البعد الاستراتيجي تتجاوز كثيرا مجرد التفكير في عامل التكلفة فقط!

أستكمل معكم بمشيئة الله تعالى الحديث المفصل حول كل تلك التحديات، ثم طرق عبورها وفق الخيارات التي تحقق لنا أهدافنا المشروعة، ودون الإضرار بمكتسباتنا ومقدراتنا الوطنية! والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/12/12/article_1013680.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.