“الخطوة الأخيرة” لما بعد إقرار رسوم الأراضي

استكمالا لما بدأت الحديث عنه في المقال الأخير “ماذا بعد الرسوم على الأراضي البيضاء؟”، الذي انتهى إلى ضرورة اتخاذ ثلاثة إجراءات خلال الفترة الراهنة، ممثلة في: (1) الإسراع بإجراءات تراخيص التطوير والبناء لشركات التطوير العقاري. (2) تسهيل وزيادة التمويل المالي اللازم لشركات التطوير العقاري، قبل التفكير في زيادته بالنسبة للأفراد. (3) فتح وتسهيل طرق دخول شركات التطوير العقاري العالمية العملاقة للسوق المحلية.

إن من حسن الطالع، ونحن بصدد الحديث عن مرحلة ما بعد إقرار الرسوم على الأراضي البيضاء، أن تبدأ توقعات تأثيرها في الأسعار المتضخمة بالتحقق على أرض الواقع، بل إنها جاءت حتى أعلى من المتوقع، ما يشير فعليا إلى أن حجم التشوهات والخلل الكامن داخل السوق العقارية أكبر بكثير مما أظهرته حتى البيانات الرسمية، ففي الوقت الذي لم يمضِ عليه أكثر من تسعة أشهر على موافقة مجلس الوزراء الموقر على توصية مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بخصوص الرسوم على الأراضي البيضاء (23 مارس 2015)، وما تلاها من تطورات انتهت أخيرا قبل أقل من أسبوعين إلى صدور قرار مجلس الوزراء الموقر بالموافقة على نظام رسوم الأراضي البيضاء المقرر من مجلس الشورى بتاريخ 23 نوفمبر 2015، تمهيدا لصدور النظام ولوائحه التنفيذية بمرسوم ملكي خاص به قبل تاريخ 23 مايو 2016، على أن تم تطبيقه قبل تاريخ 23 نوفمبر 2016. أكدت أحدث بيانات أداء السوق العقارية، التي عكست من خلال نتائج مقارنة متوسطات الأسعار لفترة الـ 11 شهرا الماضية من عام 2015، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2014، تفاقم نسب الانخفاض في متوسطات الأسعار، وذلك بانخفاض متوسط أسعار الأراضي الزراعية للفترتين بنحو 46.9 في المائة، وانخفاض متوسط أسعار قطع الأراضي السكنية بنسبة 21.4 في المائة، وأخيرا انخفاض متوسط أسعار الوحدات السكنية بنسبة 15.2 في المائة.

الأمر الإيجابي الآخر؛ الإعلان الأخير لكل من وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقاري عن رفع الحد الأعلى لقرض المستثمرين الأفراد إلى 25 مليون ريال، وقرض المؤسسات والشركات إلى 50 مليون ريال، إضافة إلى الإعلان عن إطلاق برنامج قرض الاستثمار لتطوير الأراضي الخام داخل المدن والمحافظات والمراكز بقيمة 100 مليون ريال كحد أقصى. وهو الإجراء الذي يلبي الفقرة الثانية المشار إليها أعلاه، ويؤمل أن يتم مراجعة الحد الأقصى لتلك القروض الاستثمارية من وقت لآخر، والعمل على رفعها متى ما استدعت الحاجة، وهو الخيار الأنسب خلال الفترة الراهنة التي تشهد بداية تصحيح الأسعار المتضخمة للأراضي والأصول العقارية، وتراجعها عن مستوياتها المتضخمة جدا التي وصلت إلى ذروتها منتصف 2014، الذي سيسهم دون شك في زيادة المعروض لكل من قطع الأراضي السكنية المطورة والوحدات السكنية، على حساب تفكيك احتكار أكبر قدر ممكن من مساحات الأراضي البيضاء المحتكرة، التي أصبح ملاكها خاضعين لنظام الرسوم عليها، وكل تلك التطورات ستدفع عبر الزمن إلى تحقيق التوازن المأمول بين جانبي العرض والطلب، التوازن الذي افتقدته السوق العقارية لأكثر من عقدين من الزمن الماضي، ونتج عن زيادة اختلاله خلال العقد الأخير ما تشهده السوق في الوقت الراهن من فقاعة سعرية بالغة الخطورة، أفضت إلى تفاقم أزمة الإسكان، وتحولها إلى حجر عثرة كأداء في طريق كل من الاستقرار الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة والشاملة للبلاد والعباد.

إننا بحمد الله، نسير حتى الآن في الطريق الصحيح، ويؤمل أن تزداد الأفعال والجهود الحقيقية بصورة أكبر في هذا الاتجاه، والحديث هنا حول أداء الأجهزة الحكومية في مقدمتها وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية، إضافة إلى بقية الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، بأن يكون هدفها الأول والرئيس طوال الفترة الراهنة والمستقبلية متركزا على (خفض أسعار الأراضي والأصول العقارية)، الذي سيفضي دون أدنى شك إلى فك احتكار الأراضي، وحل أزمة الإسكان، وأن هذا الهدف هو الشرط الوحيد ولا غيره لتحقيق كل ذلك، وأنه كذلك لن يتحقق إلا بالعمل المكثف والمتكامل بين تلك الأجهزة المعنية بالأزمة العقارية والإسكانية، التي تتطلب إضافة إلى كل ما تقدم، أن يتم العمل المتين والدقيق على تطبيق نظام ولائحة الرسوم على الأراضي البيضاء بأعلى درجات الحزم والجدية والشمولية، والابتعاد التام عن الاستثناءات، التي لن يؤدي وجودها إلا إلى فشل أهداف النظام ولائحته التنفيذية، وبالتالي إلى عودة الأزمة إلى التفاقم من جديد، وهو ما لا يمكن لأي جهاز حكومي مهما كان أن يتحمل مسؤولية الإخفاق في خصوصه.

أخيرا؛ يبقى فقط المطلوب تنفيذه ممن هم خارج دائرة الأجهزة الحكومية، وهم هنا أفراد المجتمع الباحثون عن تملك أراضيهم أو مساكنهم، الذين تقع عليهم مسؤولية عدم التورط في شراء أي أصول عقارية مهما كانت بأسعارها المتضخمة الراهنة، والتي بدأت فعليا بالتراجع والتصحيح كما تم كشفه أعلاه، وألا يتورطوا بالوقوع لقمة سائغة في قبضة كل من مروجي عروض العقار والقروض المصرفية المجحفة، التي إن هم وقعوا في أسرها، فلا فكاك لهم منها إلا بعد 20 عاما أو أكثر، ستستقطع أقساط سدادها من دخولهم الشهرية طوال تلك الفترة أكثر من 60 في المائة، في الوقت الذي ستشهد وتشهده الآن الأثمان الباهظة جدا للأراضي والعقارات التي تورطوا في شرائها، مسارا هابطا طويل الأجل، وماذا سيبقى من خيارات ممكنة في يد المشتري بأسعار اليوم مستقبلا، إذا هو رأى السعر السوقي في المستقبل القريب لما تورط في شرائه اليوم بباهظ الأثمان، وبأعلى مستوى من الديون المصرفية، وقد أصبح أدنى من ربع سعره المتضخم في الوقت الراهن؟!

إن موقفا واعيا ومسؤولا من غالبية الأفراد في الوقت الراهن، أمام مجمل ما يراه من تطورات وجهود تبذلها الدولة لأجل حل أزمة الإسكان والعقار، يعد الركن الأساسي الواجب على كل فرد من المجتمع أن يتولى مسؤولية الوفاء به، وأن يتكفل هو قبل غيره بحماية دخله وأسرته من الوقوع ضحية سهلة المنال، في قبضة الهاربين والمتورطين اليوم من تجار الأراضي والعقارات والمضاربين والسماسرة بمختلف أشكالهم، وأن عليه الحذر كل الحذر ألا يكون هو (المغفل الأخير)، وهو اللقب الذي يطلق في عالم الأسواق على المشتري الأخير بنهاية أية فقاعة سعرية وقبيل انفجارها. ومن يا ترى في الوقت الراهن؛ الذي لا يفهم معنى الزيادة المفرطة كما نشهده في الوقت الراهن في عروض بيع الأراضي والوحدات السكنية، مقابل عدم وجود قوة شرائية تصل حتى إلى 10 في المائة من تلك العروض؟ والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/12/09/article_1012779.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.