ماذا بعد الرسوم على الأراضي البيضاء؟

لم ولن يكون إقرار الرسوم على الأراضي البيضاء أول ولا آخر الحلول اللازمة لحل أزمة الإسكان المحلية، فهو لا يخرج عن كونه أحد الحلول اللازمة لفك قبضة الاحتكار على الأراضي داخل المدن والمحافظات، ولا يخرج عن كونه حلا ضمن منظومة متكاملة للخروج من الأزمة المفتعلة وتحويلها إلى مجال للتنمية المستدامة والشاملة، ومساهما في تحقيق الرفاهية اللازمة لأفراد المجتمع من مواطنين ومقيمين على حد سواء، وتوظيف إمكانات ومقدرات وثروات السوق العقارية فيما يخدم الاقتصاد الوطني، سواء عبر إيجاد وتسهيل فرص الاستثمار فيها، أو عبر إيجاد فرص عمل مناسبة ومجدية للمواطنين والمواطنات، عوضا عن وضعها الراهن الذي لم يخدم بتشوهاته سوى شريحة ضيقة جدا من المحتكرين، تتبعهم شريحة أوسع بقليل من المضاربين والسماسرة، تراكمت مكاسبهم المالية الهائلة على حساب كل من مقدرات الاقتصاد الوطني وأفراد المجتمع، متسببة في ضخ موجة تضخمية مخيفة، تآكل تحت ضغوطها الدخل الحقيقي للأفراد، وتفاقمت بسببها تكلفة الإنتاج والتشغيل على كاهل منشآت القطاع الخاص، وتمادت كثيرا في اجتذاب جزء كبير جدا من السيولة المحلية نحو الاكتناز أو المضاربة في مجرد أراض بيضاء، جاء ذلك كله على حساب الفرص البديلة المتمثلة في الاستثمار المحقق للقيمة المضافة للاقتصاد الوطني، والمساهمة في تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، التي كان مفترضا أن تنتج عنها زيادة في إيجاد فرص العمل الكريمة، إلا أن ذلك لم يتحقق للأسف، ولا يمكن أن يتحقق في ظل ديمومة هذه التشوهات البالغة الخطورة في السوق العقارية المحلية.

لقد سبق فرض الرسوم على الأراضي البيضاء؛ تحديد مؤسسة النقد العربي السعودي نسبة الحد الأقصى للتمويل العقاري عند ما لا يتجاوز 70 في المائة من إجمالي القيمة السوقية للأصل العقاري، الذي أسهم بقوة في الحد من اشتعال أسعار الأراضي والأصول العقارية، وحد كثيرا من تورط غالبية الأفراد في مديونيات هائلة على ما يتحملونه في الأصل، مع أهمية الإشارة هنا إلى ضرورة أن تكثف مؤسسة النقد من رقابتها على بعض عمليات الاحتيال على هذا الشرط، التي تتورط في ارتكابها أطراف عديدة من بينها المصارف التجارية نفسها، إضافة إلى ممولين مخالفين تحت مظلة ما يسمى بـ “حلول التمويل”، ويذهب ضحيتها دون أدنى شك الأفراد ولا سواهم، مستغلين حاجتهم الماسة إلى تملك مساكنهم.

ينتظر خلال الفترة الراهنة والقريبة جدا قبل بدء التطبيق الفعلي للرسوم على الأراضي، أن تشهد السوق العقارية نشاطا أكبر على مستوى تفكيك مساحات كبيرة من الأراضي، والتخارج منها قبل تطبيق الرسوم عليها، وكونها مساحات شاسعة جدا لا يمكن بيعها بنفس مستويات الأسعار الراهنة، لقصر الفترة “أقل من عام” مقابل مليارات الأمتار المربعة منها، التي تستحوذ على أكبر من نصف مساحات المدن والمحافظات، ما يعني مواجهتها – دون شك – موجة تصحيحية في أسعارها المتضخمة، إلا أن الأهم هنا في الأجلين المتوسط والطويل، أن يتحقق الهدف المنشود بزيادة تفكيك السيطرة الاحتكارية على الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات والمراكز، التي يصل متوسط استحواذها من مساحات المدن الرئيسة إلى أعلى من 60 في المائة من إجمالي المساحات “وفقا للبيانات الرسمية الصادرة عن هيئات وأمانات المدن الرئيسة”، وفي الوقت الذي لا تتجاوز مساحات الأراضي المتاحة للتداول من تلك المساحات الشاسعة للأراضي داخل المدن نسبة 10 في المائة فقط “وفقا للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل”.

إن مجرد تضاعف تلك النسبة إلى الضعف أو أعلى بقليل عند مستويات مقاربة لـ 20-30 في المائة خلال أقل من عام، ثم ارتفاعها في العام التالي إلى نحو 40-50 في المائة من إجمالي مساحاتها الشاسعة أو أكثر، يعني في حقيقته انكماشا حقيقيا في مستويات الأسعار المتضخمة للأصول العقارية وفي مقدمتها قطع الأراضي داخل تلك المدن، سيراوح بين 15 إلى 35 في المائة خلال أقل من عام، وقد يتجاوز نسبا بين 40 إلى 60 في المائة في المواقع التي شهدت وتيرة أكبر من المضاربات العقارية، التي خضعت لمزايدات سعرية بحتة، بفعل تدوير الأموال عليها.

إن من الأهمية بمكان بالتزامن مع هذه التطورات المرتقبة للسوق العقارية، أن يسايرها عدد من الإجراءات اللازمة والمهمة جدا، فعدا ما يجري العمل عليه في الوقت الراهن من استكمال التشريعات والأنظمة وتأسيس هيئة السوق العقارية وغيرها، فلا بد من اتخاذ عدد من الإجراءات والتدابير، لعل من أهمها في الوقت الراهن:

(1) الإسراع بإجراءات تراخيص التطوير والبناء لشركات التطوير العقاري، وهو الأمر الذي وعدت بإنجازه وزارة الإسكان أخيرا، وينتظر ألا يتأخر تحقيقه أطول من الزمن الذي استغرقه لعدة أعوام مضت.

(2) تسهيل وزيادة التمويل اللازم لشركات التطوير العقاري، التي تمكنها من الإسراع بتطوير المخططات الإسكانية، وتشييد الوحدات السكنية اللازمة بمختلف أنواعها، والأمر الأهم هنا أن يتركز الائتمان ومنح القروض لهذه الشركات قبل الأفراد، لعدة أسباب مهمة، لعل في مقدمتها تجنيب الأفراد تحمل مديونيات كبيرة وطويلة الأجل، ستثقل كاهلهم لأكثر من عقدين من الزمن، مقابل شراء مساكن بأسعار متضخمة جدا، في الوقت الذي تتجه فيه تلك الأسعار المتضخمة تحت مظلة الإصلاحات الجارية الآن إلى التراجع والانخفاض، وكم هو الفرق كبير جدا بين أن يشتري الفرد نفس المسكن بعد عام أو عامين بنصف سعره في الوقت الراهن؟!

(3) وهذه من أهم الخطوات اللازمة؛ أن يتم فتح وتسهيل طرق دخول شركات التطوير العقاري العالمية العملاقة إلى السوق المحلية، وتحفيزها للقدوم بتوفير الأراضي اللازمة لها، التي بدورها تمتلك الإمكانات والخبرات الكافية لتقديم منتجات إسكانية متطورة، تتوافر فيها متطلبات العزل وسرعة التنفيذ، والقدرة على تنفيذ وتشييد أعداد أكبر من المساكن، عوضا عن شركات التطوير العقاري المحلية، التي تظل عاجزة عن الوفاء باحتياجات المجتمع من الوحدات السكنية، وقد أثبتت التجربة محليا أن أغلبها تحول إلى المضاربة على الأراضي أكثر من التطوير، كما أن وجود مثل تلك الشركات العالمية العملاقة في السوق المحلية، ومقابل الفرص الواعدة محليا، من شأنه أن يدفع نشاطي قطاع التطوير العقاري والمقاولات ومواد البناء نحو مزيدٍ من التوسع والمنافسة.

وأستكمل في المقال التالي – بمشيئة الله تعالى – بقية الإجراءات والخطوات اللازمة لما بعد صدور قرار الموافقة على نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وأهمية الاستفادة من تصحيح الأسعار المتضخمة في السوق العقارية، وأنه أمر إيجابي يخدم الاقتصاد والتنمية، على عكس ما يتم الترويج له كذبا وزورا بأنه يحمل آثارا سلبية على الاقتصاد الوطني. فإلى الملتقى قريبا. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/12/07/article_1012318.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.